فهم الواقع المجرد كما هو ليس موضوعا سائدا، فتناول هذا الواقع المجرد يعني التخلي عن أي مرجعية مسبقة، مع حس مرهف وقابلية لفهم الواقع كما هو، على حساب أي شيء، ورغم إيماني الدائم بعلاقة الفهم بالإرادة، بمعنى أن الإنسان لا يفهم غالبا إلا حسب الإرادة. فإذا أراد الخلاص من الدنيا، أصبح يملك قابلية لإعتناق الأديان، وإذا أراد أن يبلغ علم الدنيا، أصبح أقرب للعلم المادي، وإذا أراد فهم الحقيقة عن المجتمعات الأخرى، فإنه غالبا يفهمها من واقعه الثقافي، عبر علاقته مثلا بالآخر، كعلاقة الإنسان العربي بالإنسان الغربي.
وبينهما تقبع إرادة ملحة لذات الحقيقة، عبر فهم الواقع المجرد، وهذه يتأخر البلوغ إليها بقدر ما تتراكم الأفكار الموروثة في الوعي واللاوعي، ولكن مع مرور الوقت، قد يقترب الإنسان الموضوعي إلى فهم أكبر للواقع المجرد.
لنقارن بين نقيضين، وهو فيلسوف ملحد يؤمن بأن البقاء للأصلح، ومؤمن يرى العالم بمنظور النص الديني، الأول هو نيتشة، والثاني هو يوسف القرضاوي.
الأول يقول فكريا أن البقاء للأصلح، والثاني يقول فكريا وبناء على النص الديني بأن للشريعة مقاصد، وهو للعلم أحد أبرز المتحدثين المعاصرين في فقه المقاصد (حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسل، حفظ المال).
إذا تناولنا فكرة نيتشة بالواقع المجرد، ففعلا، يثبت الواقع أن البقاء للأصلح، وهذا ما يحدث في الاقتصاد مثلا، فالغني يزداد غنى على حساب شخص آخر يخسر، ولا يمكن إنكار ذلك، والسياسي كذلك، يحصل على السلطة على حساب آخر، حتى الثورة المصرية، اراد الشعب فيها وضع مبارك وإبناه في القفص، لأن البقاء للأفضل، للأقوى، وهذا هو قانون الحياة.
لذلك يمكن التعامل مع قانون (البقاء للاصلح) بتطبيقات مختلفة، فتوماس مالثوس أدخلها في نطاقات أوسع وأثار الكثير من الجدل، وتبين أنه أخطأ في أهم توقعاته، بعد أن قال أن هناك قدرا محدودا من الطعام، يتناقص بازدياد السكان، مما ساهم في بناء نظريات تطورية متطرفة تنادي بالقضاء على الآخر، وقد ساهمت هذه النظريات في تكوين العقائد الحربية الاستعمارية ولكنها لم تكن السبب الرئيس.
ومع وبعد الكثير من الحروب، استطاع الإنسان أن يستثمر قدراته في بناء الحضارة، وفي توفير احتياج الطعام للجميع، ومن التنبوء بمستقبل الإنسان على الأرض عبر علم الاستشراف، والذي تقدم كثيرا، وتجاوز الرأي الفردي إلى تأسيسه بناء على مؤسسات البحث العلمي.
ومع ذلك ففهم الواقع المجرد لا يعني التعامل معه بوحشية، فمن هنا ينبع دور الأخلاق -لضبط الواقع المجرد- وهذا ما تنادي به الأديان بناء على السياقات التاريخية (كفقه المقاصد) باستثناء الجانب التجديدي، فمثلا أضيف على الجانب الأخلاقي العالمي، احترام اللادينين كشركاء على الأرض، طالما لا يؤذون الآخرين، ومن واقع مجرد فهم يمثلون وجودا لا يمكن إلغاءه، كما لا يمكن إلغاء وجود المذاهب المتخلفة في الدين الواحد. وأيضا تطور أيضا حق المرأة، والتي لم تأخذه في وثيقة حقوق الإنسان الفرنسية والتي كانت مصدرا أساسيا للوثيقة العالمية الصادرة عن الأمم المتحدة، ولا حتى بشكل كافي في وثيقة حقوق الإنسان العالمية، والأهم ألغي الرق واستعباد البشر، والذي كان وصمة عار على التاريخ البشري، وهذا بدوره عبّر في وقت ما عن فكرة البقاء للأصلح، لولا تدخل النضج البشري وتطور المدنية الحضارية وتقادم الأحداث، والذي ألغى الحاجة لهذا القانون الحيواني القديم، والذي كان سببا قويا للكثير من الحروب القائمة على سبي النساء.
إذا ففهم الواقع المجرد أساسي، ولكنه ليس خيرا، بل هو خاطئ إذا تخلى فيه الإنسان عن الجانب الأخلاقي، والذي يعالج الأخطاء التي يمكن أن تحدث في تفسير أي شريعة وفكرة.
***
تعليق شخصي: هذا المقال يعبر كثيرا عن طريقتي في التفكير، وهذا في الرد على العديد من استفهامات القراء الكرام، وهي طريقة فيلسوف في التفكير تختلف عن طريقة الآخرين، ومعنى الفيلسوف هنا ليس إلا (حب الحكمة) أو (الطريق إلى الحكمة)، فهي تعبر عن الأصل اللغوي الذي نحته فيثاغورس، والذي يأتي في جملة عربية مركبة، وليس هناك –حسب وجهة نظري- ما يحدد حكمة الإنسان إلا قوة أفكاره وأعماله في جعل العالم مكانا أفضل…