في مقدمة مالك بن نبي على كتاب “حتى يغيروا ما بأنفسهم” لمفكر السلام والتغيير “جودت سعيد” حديث عن فكرة التغيير:
[إن من يؤمن بمراحل التاريخ مثله قد تستعصي عليه فكرة تطويع التاريخ لمبدأ التغيير ، مع هذا فهو يحاول تخليص مفهوم التغيير الاجتماعي من قيود السببية المقيدة ، كما تربطه بها النظرة الشائعة عند المؤرخين ، أمثال ج . أ . طوينبي ، الذين يرون أن الأشياء في التاريخ تسير طبقاً لسببية مرحلية .
والأَشياءُ تَسيرُ فِعْلاً كَذَلِكَ إِنْ تُرِكَتْ لِشأْنها .
وإنما الأخ جودت سعيد يعلم ، كمسلم متشبع بالثقافة الإسلامية ، أن التغيير ، أي التاريخ ، يخضع أيضاً لقانون النفوس .
فتصفية هذه المناقضة هي بالضبط محاولة الأخ جودت سعيد ، إننا نراه يتخذ كمحور لكتابه ، الآية الكريمة:
« إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ » الرعد –11- ويتخذ من بعضها عنوان هذا الكتاب .
وبذلك تتغير وجهة النظر في سير التاريخ ، إذ أن المراحل التي تتقبلُ أو لا تتقبل ُ التغيير حسب طبيعتها، تصبح مراحل قابلة كُلها للتغيير ، لأن الحتمية المرتبطة بها أصبحت اختياراً يتقرر في أعماق النفوس] .
هذا الحديث يعرض الفرق بين نظريتين للإرادة الفردية والجماعية من حيث السببية، حيث يربطها جودت سعيد بإرادة النفس، أو لأعبر عنها بمبدأ نفسي حقيقي يقول : ((إذا تغيرت النفس، تغير معها السلوك، ثم تغير معها المصير))، وهي عكس نظرية تاريخية شائعة عند المؤرخين يرون أن التاريخ يسير لسببية حتمية مرحلية. أرى في كل تصور وجها من المنطق.
النظرية الفعلية المبنية على الحدث التاريخي تأخذ وجهين من كل تصور، أي ((نهاية مرحلة وإرادة لبداية مرحلة بديلة))، استشهد بحدثين مغايرين والأول هو نزول الوحي على الرسول عليه الصلاة والسلام جاء على أمة عربية تحللت أخلاقيا وأصبحت تعبد الأصنام بعد أن كان الغالب منهم ينظرون إلى السماء إما بعبادة الكواكب أو الإيمان بالنصرانية أو اليهودية، والفكرة كانت هي ((توحيد الله)) والتي نزلت وحيا على الرسول عليه الصلاة والسلام، فأخذ سنين طوال حتى رسخ الفكرة، ثم سنين أطول لتحويل الفكرة إلى سلوك عملي، ثم اكتمل الدين ثم تحدد بتلك الأفكار مصير المسلمين والعالم. إذا هي ((نهاية مرحلة وإرادة لبداية مرحلة بديلة)) بنيت على إرادة ((تغيير النفس، ثم تغيير السلوك، ثم تغيير المصير)). أما الحدث الآخر فهو نهاية الحضارة الإسلامية ثم بداية الحضارة الغربية، وقد كانت إرادة مزجت بين (الملك والقسيس) من يريد الثروة ومن يريد الدين ومن يريدهما معا، وكان المال أحد أهم أسباب نشأة الحروب الصليبية التي أرهقت العالم الإسلامي حتى اندحرت على يد “محمد الفاتح” ثم كان الدين هو السبب الآخر والذي أعطى للجنود حرية الموت وروح النضال، حتى جاء اليوم الذي احتلت فيه القوى الأسبانية الأندلس احتلالا غاشما فكانت بداية نهاية مجد الحضارة الإسلامية.
إذا فنظرية الإرادة الجماعية تنبني على ((السيادة)) فالعالم يشبه شركة يجيب أن يكون لها إما سيد أوحد مثلما كان يحدث للإمبراطوريات القديمة، وإما أن يكون سيدا يقود مجموعة من الأسياد مثلما يحدث اليوم، غير أن السيد الأول كأمريكا هو الذي يقود السياسة والاقتصاد والعلوم والفنون حول العالم.
أما الغرب فهو يفنى ببطء مع نقص عدد المواليد، ومع بداية التحلل الأخلاقي الذي لم يشهد له التاريخ مثيلا من قبل، حتى في أوربا القرن العشرين نفسها، وذلك ما يؤدي بدوره لاختفاء روح النضال في الشباب الغربي، بحيث لن يعجز علماء وعباقرة وفلاسفة الغرب من إعادة سيادتهم للعالم سوى في حالة واحدة، وهي أن يأتي البديل!
فلن يأتي اليوم الإسلام كبديل للحضارة الغربية، سوى إذا جاءت الفرصة لتقدم إرادة المسلمين أنفسهم ذلك البديل، وقد يربط بعض المؤرخين تلك الفرصة بزمن معين، غير أن الفرصة التاريخية تتكرر في كل مرحلة بداية دولة، والفرصة التاريخية الفائتة للعالم الإسلامي كانت مع بداية احتلال فلسطين، ولكن العرب المسلمون لم يحسنوا التصرف! واليوم تتكرر الفرصة التاريخية من جديد ليس في احتلال جديد وإنما في حرب من نوع جديد، وهي ((الحرب الثقافية)) فقد تولت حركة الأخوان المسلمين في بداية القرن العشرين دور حماية الإسلام من التصور الإلحادي الذي اجتاح العالم الإسلامي، أما اليوم فهي ليست بحرب دفاع، بل يجب أن تكون حربا استباق!
والنتيجة النافعة من ذلك كله هو أننا نملك كأفراد مثقفين تأثيرا في مجموعة كبيرة من الشباب العربي المسلم للدعوة لقيادة العالم. فالأفكار من صنع الحضارات، وقاعدة الجهد الأدنى 20/80 تشير بهذا المنطق إلى أن نسبة محدودة من المثقفين ممن يملكون توجهي، قادرين في التأثير على مجموعة أكبر هي قادرة بدورها على قيادة العالم من جديد.
