الإباحية العربية
أخلاق الحضارة
الإعلام والعولمة بوسائل الاتصال والمواصلات أو العصرنة الحديثة، عكست الإباحية الغربية فأصبح العالم الإسلامي يقلد الغالب في وسائله لتسهيل المدنية.
المجتمع السعودي كان قبل عقد ونصف أكثر المجتمعات انغلاقا عن العالم وكان ما يعرف بالخصوصية السعودية ولا زال منها بعض البقايا كتحريم قيادة المرأة للسيارة.
في هذا المجتمع انتشر مفهوم التعارف بين الفتى والفتاة انتشارا لافتا وهو أولا غريزة إنسانية بين الجنسين للتعارف وخروجها عن إطار الزواج يرجع للقيم التي يمكن أن تحكم المجتمع. واهم أسباب إنهيار تلك القيم هو تقليد الغالب فمعظم الشباب الحديث عاش وتعلم ودرس كل معطيات الترفيه الغربي، ولا زال يعيش صراعا يعتمد على تزييف الوعي الذاتي!
غير أن الصراع مع القيم المتعارف عليها صنع نوعا جديدا من الإباحية في العالم الإسلامي وهي إباحية “مستورة” خاصة في المجتمع السعودي ثم الخليجي. ورغم قبح المجتمع الغربي في إباحية معلنة فقد كانت هي الملاذ الوحيد من فقد الروح ولحظة اليأس من كافة المعتقدات الدينية التي فكر فيها وهي أيضا المرحلة الأخيرة من عمر الحضارة الغربية بالتقسيم الخلدوني. ومع الكثير من المساوئ التي تميز الحضارة الغربية وكلها تندرج في السلوك الشخصي والعائلي مع الذات، كالجريمة والإباحية والانتحار والمخدرات وزنا المحارم والتفكك الأسري وغير ذلك. غير أن القيم المدنية التي تحكم تعاملهم مع بعضهم البعض واضحة ومحددة وهي المحور الذي تعيش أوروبا الحديثة من حوله.
في العالم الإسلامي لا ينقصنا اليوم أي نوع من الإباحية سوى الاعتراف بما يحدث أي إعلان القيم الإباحية في العالم الإسلامي والعياذ بالله كثيرا.
هي إرادة الرفاهية الإنسانية تصنع الرغبة بممارسة كل ما يحقق لها اللذة إما الروحية او الجسدية أو الذهنية.
وفي حالة مجتمعات لا تجيد البقاء ويتحول التعامل بين أهلها غير منضبط بقوانين إدارية سياسية اجتماعية فعالة لتحقيق قيم العلم والثروة والقوة المؤدية إلى رفاهية بناءة يكون فيها الزنا والجريمة استثناءا. فإن ذلك المجتمع يتحول إلى التطرف الإباحي إلى المتعة الجسدية بديلا عن الروح.
فالمجتمع المسلم المثالي ليس هو المجتمع الذي يخلو من الزنا والجريمة كما تصور ذوو فكر أعرابي قاتل، بل هو المجتمع الذي يكون فيه الزنا قليلا. لنذكرهم بأننا على الأرض ولم ننتقل إلى الجنة بعد بإذن الله.
وقد تحولت شريحة واسعة من المجتمع السعودي المتصف بانغلاق سابق وانغلاق وهمي حالي، إلى نوع مغاير من “العلمنة” أو الدنيوية كتعريف حرفي للمصطلح الغربي. وهي دنيوية تحول الدين إلى أمر ثانوي وذلك ما يحدث وما لا يجرؤ غالبية كبرى من علماء دين السعودية بالاعتراف به فمجرد الاعتراف هو نوع من الاعتراف بالهزيمة بعد أن كانت مقاليد السيطرة على الإعلام والمدارس وكافة المؤسسات المدنية حكرا على الفكر الصحوي المعروف بانغلاقه وافتقاده لتصور إنساني عالمي للحياة.
هو تنبؤ واقع أن المجتمع سوف يتحول للمزيد من تلك الدنيوية حتى يفك الحصار تلقائيا، وسوف يتوجه المجتمع بطبيعته الإسلامية الكامنة في داخله إلى نوع جديد من الفقه الإسلامي القادر على إحتواء مفهوم العالمية في تلك اللحظة، وإن تحققت قريبا سوف يتجه مجتمعنا الإسلامي إلى بداية النصر الحضاري.
معالم ذلك الحصار لم تنتهي بعد حتى في عام 2008 فأحدهم يفتي بجواز قتل أصحاب القنوات الهدامة بمنهج فقهي لا ينظر إلى أبعاد الفتوى، والآخر يفتي بحرمة تناول الطعام في البوفيه المفتوح وهي أحدث الفتاوى حتى تاريخ كتابة هذا المقال. والناس ما زالت تتناول البوفيه المفتوح ومازالت تشاهد أصحاب القنوات الهدامة مثل شبكة الشرق الأوسط بما تحمله من ثنائية الهدم والبناء، وبالتالي يعني ذلك أن الناس تمارس المحرمات مع علمها أو شكها بالتحريم وبالتالي تجر المعصية معها معصية أخرى وعلى هذا المنوال حتى يتحول المسلم إلى دنيوي يتأذى من الإحساس المستمر بالذنب، فيبدأ دور دعاة “الدفع” بالدعوة للتوبة. وتلك التوبة تشمل دعوة ضمنية لإلغاء الكثير من معالم حياة الإنسان المعاصر المديني.
وهنا تستمر المشكلة حتى يعلن بالخراب الكامل ليستطيع المجتمع إعادة نفسه في صيغة جديدة وقد تبدأ حتى بالجانب السياسي، وهذه سنن كونية فليس هناك بقاء لأي شيء سوى الأفكار والبقاء المطلق للخالق، والقانون السنني الحضاري الأشد فتكا هو التطرف المؤدي لتطرف مضاد. فقد كانت كل الموبقات تمارس حول الكعبة وصار بعد ذلك تطرف مضاد ثم بدأت تمارس في “ستر”. وقد تعود في لحظة تاريخية متطرفة بصور أخرى تجاه التطرف الحالي إذا لم يحسن قادة الفكر تصرفهم مرة أخرى.

