الصناعة أم الفكر
التكوين الحضاري
هناك رأي قائل بأن نهضة الأمم تبدأ بالصناعة، فهل ذلك صحيح؟!
لنفترض رجلا ضعيفا، انفعالي الاستجابة مع الأحداث، لم يحدد أهدافه من الحياة وليس لديه أي خطة، ويمتلك بطبيعة أفكاره كل السلوكيات التي تعكس النموذج المتأخر والمهمل واللا مبالي والغير قادر على الاستقامة في العمل والتصرف.
ثم جئنا بهذا الرجل وأردنا منه أن يكون منتجا، علمناه صناعة محرك الطائرة بعد آن كان لا يفقه من الحياة شيئا، فهل يمكن أن يتقن تلك الصنعة؟ لنفترض ذلك.. وبعد أن قام بتصنيع المحرك استطاع أن ينشئ الهيكل فأصبح يملك طائرة من صنع يديه.
لقد تحول إلى رجل منتج، عبر كافة مبادئ الإتقان في العمل والإصرار والإرادة والتخطيط والإبداع. ولكن ما لذي نتوقعه؟ هل سيستخدم تلك الطائرة في أغراض سلمية؟ من المحتمل أن يستخدمها في غزو جيرانه كما فعل صدام حسين، أو أن يستخدمها لنشر فكره الضال مثلما أراد “الخميني”.
إذا ورغم كافة وسائل الإنتاج التي يملكها الرجل فلم يغير ذلك من فكره شيئا، ما زال رجلا منتجا مصنعا ولكن بفكر متخلف!!
والمشكلة الأخرى هي كيف نقوم في الأساس بتعليم هذا الرجل، أو كيف يمتلك إرادة التعلم من تلقاء نفسه، إذا لنعيد السؤال: هل فعلا تبدأ نهضة الأمم بالصناعة؟
ذلك ليس بصحيح!
فالصناعة هي إحدى نتائج نهضة الأمم، وتنهض الأمة بأخلاق العلم أولا، ثم تبدأ في النهوض بالثروة والقوة وما يتبعهما من وسائل الإنتاج والتصنيع.
لنلاحظ نموذجا هو برنامج الابتعاث لخادم الحرمين الشريفين، فكافة التخصصات المتاحة للطلبة هي تخصصات علمية أما النظري منها فلا يتجاوز مثل القانون والتجارة الإلكترونية وهما تخصصان إداريان.
أين علم النفس وعلم الإجماع وعلم التاريخ، أين الفلسفة التي لا تدرسها الجامعات السعودية، حتى في مصر لم ينشأ قسم الفلسفة سوى في منتصف القرن العشرين بجهود الباحث الفلسفي “عبد الرحمن بدوي”.
ماذا لو عاد لنا دكتور في الفيزياء أو الكيمياء أو الفلك، أين سيقيم أبحاثه وكيف، ماذا سيعمل؟!
أين هي مؤسسات البحث العلمي سواء الحكومية أو المرتبطة بالقطاع التجاري الخاص؟ وكيف نملك إدارة قادرة على تحقيق هذه المتطلبات المعقدة؟! بالطبع هناك إجابة أخرى شائعة لسؤال النهضة والخلاص العربي الإسلامي بأنها تكمن في الإدارة؟!
هذه الإجابة صحيحة إلى حد بعيد، ولكن هل يملك المفكر الإداري القدرة على حل مشكلات المجتمع بكافته؟ بالطبع لا، فهو قادر على حل المشكلات الإدارية ولكنه غير قادر على صنع مجتمع مبدع، هو أيضا قادر على صنع مجتمع منتج، ولكن ما طبيعة هذا الإنتاج؟!
هنا يبدأ دور مفكري العلوم الإنسانية في حل هذه المشكلات، إنها مشكلة فكر وسلوك! وليكون الموضوع فاعلا فلنعرض نموذجا لإحدى مشكلات المجتمع وهي البداوة أو البدائية من أول الجزيرة العربية حتى نهاية المغرب العربي، وكل ما يتبع هذه البداوة من فكر معوق للمعيشة وللنهضة.
هذه مشكلة لا تحل بالإدارة ولا بالعلوم الطبيعية! بل عبر نهضة فكرية عامة، حينما يصبح الرجل من عامة الناس، يردد مع آيات الله عز وجل وأحاديث رسوله الكريم، أقوال العلماء والمفكرين القادرين على صنع فكر الإقلاع الحضاري بمصطلح “مالك بن نبي” رحمه الله.
وذلك ما لا يحدث أبدا حتى اليوم!