العرب وتطاول الحضارة

التكوين الحضاري

 

هناك مشكلة فكرية عربية خاصة في مسألة نوع النهضة الحضارية للأمة العربية. وتكمن في الجوهر للإطار الكلي للمشكلة الفكرية الحضارية العامة.

 

التوجهات العربية كالإسلامية الحرة الغير منتمية لتيار محدد ذات الهوى الحضاري المتمركز بالإسلام، أو “الإسلاموية” ذات النهج الحركي أو العنفي جسديا أو فكريا، أو التيارات “المتلبرلة” و”المتعلمنة” كاشتقاق من الليبرالية والعلمانية الغربية والتي لا وجود لمضمونها سوى في أمة أصلها نصراني، أو بلسان حال يبتغي تمثيل الإسلام بالنصرانية.

 

كل هذه التيارات وغيرها تناقش في الأساس مشكلة النهضة!

 

ولكن بلورة مفهوم المجد الحضاري المبتغى، يدخل في إطار تحديد السؤال المناسب لإيجاد الجواب بسلاسة، ويدخل كذلك في إطار تحديد الهدف أو الغاية من العمل الفكري الحضاري.

 

لقد بلورت عبر أبحاث معمقة صيغة اعتبرها “الرؤية” أو “الكوجيتو” لتساؤلاتي الشخصية عن المجد الحضاري، بقانون ((العلم.الثروة.القوة)) وفي بحث ليس هذا سبيله؛ تفكيك وصياغة لتفاصيل هذا المذهب الرؤية، وهو بمترادفات أخرى : ((النهضة العلمية، النهضة الاقتصادية، النهضة العسكرية)).

 

لنستعرض ثلاثة نماذج أو دول تعكس ذلك السؤال الذي يجب أن يصاغ؟

 

هل نريد للأمة أن تحذو حذو (ماليزيا) في النهضة الاقتصادية، أم حذو (اليابان) في النهضة العلمية الاقتصادية؟ أم حذو أمريكا في النهضة العلمية والاقتصادية والعسكرية؟

 

الرسالة الإسلامية بطبيعتها تعلو ولا يعلى عليها، وبقدر ما هي رسالة سلام وحوار تفرض على المسلم سلمه ودعوته للعدل العالمي، بقدر ما تمثل عبر طبيعتها الشمولية في التشريع خطرا على النظام الغربي الذي يرتكز على المركزية الغربية والتي قوامها إثبات تفوق “الرجل الأبيض” على العرق البشري كله. وهذه النرجسية بدأت منذ الحكم الإغريقي “العصر الهيليني” وهو نفس المصدر الذي استلهمته أوروبا بديلا للأخلاق النصرانية، والذي يرتكز على النزعة الفردية وإثبات التفوق. والغرور في علم النفس الغربي الحديث هو نزعة تعكس مركب الشعور بالنقص!

 

بهذه الطبيعة المشوهة للحضارة الغربية حكمت على الإسلام كخطر ماثل لنموذج الحضارة الغربية الظالم للشعوب الإنسانية، وهو صوت “فرانسيس فوكوياما” و”هنجتون” الذي تغلب إعلاميا على بقية الأصوات الغربية المنادية بحوار الحضارات، وذلك بعد انتهاء القطبية الثنائية العالمية بين فكرة الإتحاد السوفييتي وبين الفكرة الغربية.

 

وهذا ما سوف يحدث في المستقبل، وهو الصراع الثقافي والذي سيكون الإسلام فيه محورا بارزا.

 

إذا فالشكل الذي تبتغيه الأمة لنهضتها يأخذ من شعار (العلم.الثروة.القوة) مبدأ أساسيا وهي النهضة السيادية أو مجد السيادة الحضارية.

 

لماذا لم تستطع الأمة أن تكون كنموذجي (اليابان) أو (ماليزيا)؟

 

لقد تطورت اليابان علميا وبالضرورة أن تتطور اقتصاديا ولكن ليس العكس، ولم تبدأ نهضة اليابان بعد قنبلتي “هيروشيما” و “ناكازاكي” بل بدأت بثورة “الميجي” منذ قرنين. عبر الحفاظ على اللغة وترجمة العلوم ومحو الأمية الأبجدية. غير أن الحرب الغربية وما تسمى بالحرب العالمية الثانية، لم تكن سوى مصدر تغيير للسياسة اليابانية. فهي انهزمت سياديا فتوجهت مجبرة للبحث عن المجد العلمي والاقتصادي.

 

أما ماليزيا فينسب المجد الاقتصادي الذي تعيشه لإدارة “مهاتير محمد” وهي كذلك إلى حد بعيد، غير أنها لم تتطور علميا، وإن كان هناك بعض المؤشرات للتطور العلمي فهي بالضرورة نتيجة حتمية للتطور الاقتصادي ولكنها ليست في الجوهر. ويشبه نموذج ماليزيا نسبيا نموذج “دبي” غير أن هذا النموذج الذي يروج له البعض هو مجرد فقاعة نهضة اقتصادية بنيت على الاستغلال الإداري للثروة الطبيعية، حيث أن ما يعرف بالإنجاز الإماراتي مضمونه “تجارة العقار”. فالهندسة التي تبني ذلك العقار بنيت على قاعدة علم غربي شرقي عالمي. حتى أن نموذج “دبي” مستقل عن بقية أنحاء إمارات الدولة، ولم يقدم ذلك النموذج بداية ثروة علمية أو سيادية بشريتين، وهو لا يربطها بالضرورة بالثروة العلمية كما تؤدي الأخيرة إلى الثراء الاقتصادي بالضرورة. إذ لم تكن تملك اليابان مصروفات إرسال المبتعثين الذين كانوا يعملون ويدرسون في وقت واحد.

 

والأسوأ من ذلك أن نموذج “دبي” مجبر بالضرورة على تقليد النمط الغربي بما يفتقده من رؤية أخلاقية خاصة ومعاصرة. ورغم الجاهزية الإدارية والاقتصادية لاحتواء الرغبة العلمية لشباب الأمة، غير أنه لا يملك عبر إدارته ذلك الشغف العلمي بقدر ما يملكه الهوس العقاري، ليقول أنا هنا، بأي ثمن يدفع حتى وإن كان مقابل الحجارة.

 

إن الطبيعة السيادية للإسلام تفرض على المسلمين سيادة العالم وإعادة صياغته بالعدل، والنموذج الاقتصادي سوف ينجرف بالضرورة على نمط التطور الإماراتي إذا لم يرتهن بالتطور العلمي، والنموذج العلمي غير موجود لأنه مرتهن بالضرورة في حالة الأمة العربية الإسلامية، بالتطور السيادي، وذلك هو مبدأ الرؤية: ((العلم.الثروة.القوة)).

 

إذا ماذا لو جاء نموذج متطور اقتصاديا وعلميا وعسكريا؟

 

إن المجد الحضاري السيادي يقاوم داخليا وخارجيا، فداخليا إما تيارات تريد نموذجا إماراتيا أو ماليزيا صرفا وهادئا بعيدا عن صخب السيادة، متماشيا في نفس الوقت مع النمط الغربي، وإما تيارات تريد نمطا ماضويا يبدأ بالحرب والعنف وتحرير الأرض المحتلة ورفض كل ما هو غربي، تنتظر المهدي وتريد أن تقوم بما عليها وكفى. أما التيارات الحرة ذات التوجه الفكري الحيوي والمتجدد فلم تستطع أن تؤثر في هاذين التيارين الغالبين على مقاليد الحكم السياسي للأول والاجتماعي للثاني، كالدنيويين في السياسة المصرية والأخوان في المجتمع المصري. أما المقاومة الخارجية فتتمثل في سياسة العدو المقيم على العداوة لتحويل الإسلام إلى دين نصراني كنسي يتعبد به داخل المسجد فقط.

 

الإسلام دين سيادي والأمة يجب أن يكون مجدها الحضاري مجدا سياديا بالعلم والثروة والقوة، ولا زال للفكرة آفاق ابعد، عن ماهية العلم وعن ماهية الثروة وعن ماهية القوة.

  1. بكري

    على سيرة نخلة الجميرا للحين ما اكتشفو الصليب مدسوس وين؟؟
    أخاف تتهافت العرب إليها ويبتدعوها إلى درجه انها جنة الآخره.

  2. ماجد الحمدان

    لم أسمع بقصة الصليب من قبل أستاذ بكري

    أذكر عند مشاهدتي لقناة ديسكفري لأحد مهندسي النخلة جميرة أعتقد أنه أستكلندي أو بريطاني قائلا

    إنها مليارات ترمى في الأحجار… ثم صمت قليلا وقال… واو

    عرب اليوم يفعلون بالمال أشياء غريبة