راحة الكبد

الإنسان

الراحة هي القضية الكبرى لبني الإنسان، وتحمل مترادفات متعددة : سعادة، تحقيق الذات، إزالة الهم، إلغاء القلق، تختلف هذه المترادفات بتصور الفرد، وكل واحد منا يبحث عن الراحة!

هل هي في ثروة دائمة بدون تعب تحقق للفرد ملذاته الدنيوية، هل هي في العبادة الصرفة لله تعالى، سواء في الإسلام أو النصرانية أو اليهودية أو حتى في البوذية التي تحث الفرد على التوحد في الأشياء التي يتوحد فيها الخالق “براهما” بسعادة اللا تفكير. هل هي في اللذة المحرمة كالزنا والنظر والغيبة والنميمة والكذب؟ هل هي في العلم وإيجاد الحقيقة؟ أم هي في العمل والتفاني والجهد المبذول الدائم؟ أم هي التقاعد بعد عمل دام لعشرين أو ثلاثين عاما أخذت من العمر أحلى لحظات الشباب والقوة والصحة.


بل هل هي في الثقافة التي يملكها الفرد لتحقيق الراحة؟ أم هي من هذا وذاك وأي شيء آخر؟

اعتقد أن التفكير الفلسفي طوال الثلاثة آلاف عام من بدأ التدوين، بل إن الوجود البشري منذ خلق آدم كان يغالب لأجل الراحة، وإن خلق لأجل العبادة؟ حتى الإنسان الشقي المجاهد مع نفسه ومع الآخرين رغبة منه، قد تكون تلك راحته في منظوره؟

كل فرد في العالم يملك إطارا إدراكيا يحدد مفهومه للأشياء للعالم، ثم يتحدد بها سلوكه، والراحة الدنيوية بهذا المبدأ تتحدد بمفهوم الفرد عنها.

لقد بحثت شخصيا كثيرا لإجابة عن ذلك التساؤل، وقررت الكتابة عنه بعد حديث مع أحد الأصدقاء الذي تراجع في عمله التجاري بعد تحقيق دخل جيد قام بصرفته على ملذاته الحلال. ثم وقع في ورطة أزمة مالية جديدة مما تسبب في إيقاف متجره، ثم إيقاف العمل على بداية افتتاح متجره الجديد.

يريد الرجل أن يشعر بالراحة، وهو يصلي الفجر مع الجماعة تقيا لله، مسبحا بحمده، مغالب في تقواه. سألته في تلك الورطة ماذا تريد؟

قال : الراحة!!

قلت : ((الراحة هي أن تشعر بالراحة فيما هو تعب..)).

وضع ابن القيم – رحمه الله – كتابا بعنوان (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي) يعتبر ككتاب في “علم النفس الإسلامي” يستعين الشيخ فيه بالنصح والتوبيخ، وهو المفسر للسبب الذي يعمل لأجله الإنسان ((لايعمل الإنسان سوى لطرد الهم))، ووضع كتابا آخر يتحدث عن مشكلة الشيطان بعنوان : (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان) وهو المبدأ الذي تجاهله علم النفس الحديث الذي دائما ما يصل إلى نقاط في النفس البشرية يقف فيها ملتزما الدهشة والصمت. إذ يعرض الشيخ قصة القلب الإنساني حتى باب أخير يحذر فيه من مكائد الشيطان.

ويعتقد البعض أن أول كتاب في معالجة القلق هو للباحث “ديل كارنيجي” بعنوان ((دع القلق وابدأ الحياة)) هذا الكتاب القيم في مضمونه والذي يحسب له أن قدم منهجا معاصرا عالميا جديدا في الدعوة العامة للأمة الغربية في التأليف المباشر لمعالجة مشكلة القلق.

أحد أكبر الشعراء الذين برعوا في وصف طبائع النفس البشرية هو المتنبي والذي لا يمكن أن يتفوق على الوصف القرآني الذي تعلم بدوره منه لوصف أدق تراكيب النفس البشرية كآيات : ((لا يكلف الله نفسا إلا وسعها))، ((يلهيهم طول الامل))، ((وخلق الإنسان ضعيفا))، ((ليبلوكم أيكم أحسن عملا))، ((إن الإنسان كان أكثر شيء جدلا))، ((فلا أقسم بالنفس اللوامة)).

الفيلسوف الألماني المتشائم والملحد “آرثر شوبنهور” والذي كان ينظر إلى أن العالم كله يسير وفق الإرادة وكل من حوله شر، قال في كتابه (العالم كإرادة وتصور) : ((يسعد الإنسان حسب الثقافة التي يملكها)).

أما الإسلام فهو يقدم منهجا متكاملا يحقق السعادة عبر الفطرة، إنما كم من عابد مؤمن تقي لم يشعر بالراحة في قلبه، سوى حينما يصلي ويكون قريبا من الله، أو عبر الزهد في الدنيا!

ما فائدة الدنيا إذا زهد فيها الغالب من الناس كما يدعو الكثير من فقهاء اليوم؟

تصبح خرابا ولا خليفة لله على أرضه!

إذا لا بد أن تعيش في كبد!

مقال كتبته بتاريخ ‏04‏/01‏/2005 في أحد منتديات الشبكة :

[ خلق الإنسان في كبد... هكذا وليس بأي طريقة أخرى.. لا يمكنك أن تبرمج نفسك كما تريد تماما.. لا يمكنك أن تسود نفسك في كل لحظة.. بل لا بد أن تكون في كبد بشكل دائم.. حتى إذا أردت أن تبدع.. أو تتحدث.. أو تعمل.. أو تقوم بأي أمر يتطلب التفكير.. يجب أن تعيش في كبد رغباتك.. في كبد تصرفاتك.. يجب أن يفاجئك سلوكك حتى تستمع بإنجازاتك.. يجب أن يفاجئك تفكيرك حتى تثق بعقلك في كل يوم..

نعم يمكنك أن تبرمج الأفكار، ويمكنك أن تغير المعتقدات المعوقة.. ويمكنك أن تكتشف بعض التقنيات وليس كلها.. ولكنك يجب أن تستمع بلذة هذا الكبد.. باختصار فإنك سوف تشعر بالراحة إذا اقتنعت ووعيت معنى أن تعيش في كبد... ذلك يعني ببساطة أن تستمد من هذا الكبد، ما يشكل طرقك الخاصة في الحياة التي تريدها].

أقول اليوم أن راحة الدنيا تكون بين كفتي ميزان :

- الكفة الأولى : الثقافة التي يملكها الإنسان وهي المبادئ التي تكون تصوره ثم سلوكه للعالم.

- الكفة الثانية: عبادة الله عز وجل بالصلاة والذكر والتسبيح والطاعات والتخلق بالفضائل، وتلك هي الفطرة.

فالعبادة كلنا يعرف طريقها وجنتها، أما الثقافة فتلك هي المشكلة التي يحتاج لحلها معظمنا، وهي ما يسميها “أنتوني روبنز” في كتابه (قدرات غير محدودة) بعبارة : “المعرفة المتخصصة”، وأهمها على الإطلاق :

- أن تشعر بالراحة منذ الآن وليس في أي وقت آخر، ثم أن تعمل على تحقيق ما تريد بتلك الراحة.

- أن تشعر بالراحة فيما هو تعب، بأن تحب ما تعمل عليه، أو أن تعمل على ما تحب.

ما سبق أحد المبادئ التي تحدد تصورك للعالم، وإذا أردت أن تنهل المزيد من تلك المعارف المتخصصة، اقرأ كتبا في التطوير الذاتي والإيمان، بمبدأ أن من يقرأ كتبا في الدين أصبح شيخا، ومن يقرأ كتبا في السحر أصبح ساحرا، ومن يقرأ كتبا في الإلحاد أصبح ملحدا والعياذ بالله كثيرا (إلا) إذا امتلك إرادة حق خارقة، وعقلا نقديا ثاقبا، فلقد تورطت في بداياتي بالقراءة في الإلحاد والفلسفة الغربية قبل أن انتقل إلى ما أريد فعلا أن يقرأ. ولولا تلك الإرادة وتلك المبادئ الأولى حول الله لربما سلكت طريقا آخر.

ذلك هو المبدأ الذي أتحدث عنه حول الخريطة الإدراكية للعالم!

كيفما تحددها كان تصورك للعالم، ليس في يوم ولا يومين بل في كل يوم جديد متغير!

تلك الراحة هي حقيقة ما نريد كأمة إسلامية، فقد أصبح كتاب (لا تحزن) للشيخ “عائض القرني” هو الأكثر مبيعا في تاريخ الكتب العربية، وهو يقارن بكتاب (دع القلق وابدأ الحياة) للأمريكي “ديل كارنيجي” وهو الأكثر مبيعا في تاريخ الكتب الغربية، وكلها بعد القرآن والإنجيل، فكانت بداية قوية للأمة الأمريكية التي بدأت في الاستراحة لمجموعة من المبادئ الغربية التي أسست لإمبراطوريتها العلمية الاقتصادية العسكرية. بعد الصراع مع الفلسفة العدمية، ورغم اختلاف المقارنة، غير أن معجزة الإرادة هي الحقيقة الدائمة لمجتمع قادر على تغيير العالم بعد تغيير حياته للأفضل.

كن الأجمل في العالم حتى يكون العالم المسلم أجمل، وأتمنى لك الراحة وأدعو الله أن يريح قلبك في ذلك الكبد الدنيوي الجميل.