الأذكى الأسرع الأقوى
يمثل المرحلة الثالثة لرؤية قانون (العلم، الثروة، القوة) وهذا القانون الذي بلورته عبر بحث مستغرق ومضني يهدف إلى تكوين رؤية موضوعية للنجاح، على مستوى الفرد أولا ثم الأمة. وتعرف القوة في الفيزياء على أنها ((مؤثر يؤثر على الأجسام فيسبب تغييراً في حالته أو اتجاهه أو موضعه أو حركته)).
القوة هي غاية إنسانية في ذاتها، حتى في جسد المرأة الضعيف والناعم هناك إرادة القوة، عبر الاعتماد على الله كقوة مطلقة ثم الاعتماد على الرجل القوي، لتغيير الشر إلى خير!
بالنسبة للأفراد هي قوة الفكر والجسد، وهو مبدأ سخيف القائل أن (العقل السليم في الجسد السليم) فقوة الفكر هي التي كانت في الجسد الضعيف لفيلسوف السلام “غاندي”. وذلك لا يعني عدم الحاجة لقوة الجسد، فهي التي اجتمعت مع قوة الفكر في عبقرية “عمر بن الخطاب” رضي الله عنه، فامتدت أعظم الفتوحات الإسلامية المدهشة في عصره وتحت إرادته، بعد إرادة الخالق تبارك في علاه.
الرسول عليه الصلاة والسلام، كان يملك أيضا جسدا قويا، ولم يقتل في حياته سوى أبي بن خلف الجمحي بعد تحدي مباشر، فهنيئا لأبي بن خلف بمقتله. أما الصحابي الجليل، فقد كان يلجا للعنف كوسيلة لقوة السلام، وهو أول من جاهر بتحدي كفار قريش في مكة وقبل هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى طيبة. وليست القوة في الجسد وحده، فالعصبة التي تحدث عنها ابن خلدون في المقدمة أساس آخر للقوة، وهي مترادف للقومية، كالقومية العربية التي هي أساس للقومية الإسلامية وليست بديلا. ولو لم يملك الرسول عليه الصلاة والسلام نسبا شريفا منيعا لقتله كفار قريش منذ بداية الدعوة.
أما النبي الذي رباه الله عز وجل فهو موسى عليه السلام (والقيت عليك محبه مني ولتصنع على عيني) [طه:39] وذلك ((ولما بلغ أشده واستوى أتيناه حكما وعلما)) [القصص:14] وهي في تفسير الجلالين تعني (كمال الرأي والبدن، وأقلها الثالثة والثلاثين). فقد كانت القوة الجسدية لموسى عليه السلام أن ضرب بائعا غش في بيعه مظلوما بقبضة يده في لحظة انفعال فجاءت في مقتل. وراح النبي يستغفر الله ويتوب إليه ويطلب منه الرحمة على ما اقترفت يداه، حتى غفر له. وتلك تعكس القوة الجسدية لموسى عليه السلام الذي ضن أنه أعلم البشر، فأرسله الله للخضر أحد الرجال الصالحين ليعلمه أن فوق كل ذي علم عليم.
إذا هي قوة الفكر والجسد، فالفرد من عامة الناس يملك قوة الفكر بالمبادئ التي تمثل تصوره للوجود، وتحقق له النجاح المهني أو التجاري أو العلمي أو الشخصي بين الناس، فالنجاح في العلاقات الإنسانية هي أحد معالم القوة الفردية. وقوة الفكر قد تكفي، فكل ميسر لما خلق له، غير أن قوة الجسد هي الكمال البشري النسبي.
إن الأمم المنتصرة تملك شعوبا قوية في الفكر والجسد، وقد كانت أحد معالم الحرب بين ألمانيا النازية وبين أمريكا وبين الشيوعين في مسابقة الألعاب الأولمبية العالمية ليثبت النازي تفوق العرق الآري في نظريته التهريجية.
أما العرب فقد عرف عنهم شراسة القتال، عبر طبيعة قاسية صنعت تلك القوة، فكانت تلك أحد الأسس بعد نصر الله في معارك الفتوحات الإسلامية المجيدة. أما الشعار الذي حملته الألعاب الأولمبية فهو يعكس مفهوم تلك القوة (الأسرع، الأذكى، الأقوى). وذلك أحد أهم مصادر تفوق الحضارة الغربية التي بدأ شعبها في افتقاد روح النضال، وهي نفس الروح التي ساد بها العالم رغم كفره.
إذا فأمة بلا رياضيين أقوياء هم الأسرع والأذكى والأقوى، فهي أمة ضعيفة لا وزن لها، وذلك الإهتمام بالألعاب الرياضية الترفيهية ككرة القدم هو أحد معالم البلاء الحضاري لأمتنا، فتلك اللعبة جاءت كثمرة مكافأة لتلك القوة الأوربية وخاصة بعد الحرب الكبرى بين قوات التحالف وبين قوات المحور. فكانت احد البدائل لاستثمار روح النضال لشباب كانوا هم وقود حرب قتلت ملايين البشر. في ثقافة تقدس القوة فصنعت حتى في لاعبي الكرة قوة الفكر والجسد، فاللاعب العربي على سبيل المثال يملك نفس القوة الجسدية، ولكنه يفتقد لتلك القوة الفكرية التي ينهزم بها أمام المنتخبات الغربية. والاهتمام المبالغ فيه بكرة القدم والألعاب الترفيهية في العالم العربي كان على حساب ألعاب القوى التي تفوقت فيها الصين على سبيل المثال في الألعاب الأولمبية، وهاهي تملك شعبا يتطور في قوته الفكرية والعلمية من جديد، بناءا على قوة الجسد.
أما اليابان على سبيل المثال فهي تمثل اليوم نموذجا للأمة المتفوقة في الفكر أكثر من الجسد، ولكن لم يأتي ذلك سوى بعد تغيير السياسة اليابانية بعد قنبلتي “هيروشيما” و “ناكازاكي” النوويتين، لأن حضارتها القوية نهضت بمعادلة الفكر والجسد، وأكبر شاهد على ذلك هم “الساموراي” وهم مقاتلون للشرف، عرف عنهم البأس والقوة والموت لأجل الإمبراطور. وكان منهم الانتحاريون الذين دمروا ميناء “بيرل هاربر” قبيل رمي القنبلتين النوويتين. إذ تملك اليابان أفرادا أقوياء غير أنها لا تسعى وراء القوة، ولذلك فهي ليست بأمة سيادية. والسيادة الحضارية هي سبيل الخلاص للأمة الإسلامية المتكالبة عليها كافة القوى العالمية.
حتى المبدأ الإسلامي القائل بأن : ((المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف)) أصبح تراثا لا تعمل به الحكومات العربية. فنحن أمة تملك شعوبا ضعيفة في جسدها، ولكن المستقبل لها بإذن الله. والقوة تأتي بالكثير من الألعاب مثل : الرماية بكافة أنواعها، والسباحة وألعابها، والشطرنج الذي طوره العرب واعتبر لعبة الخلفاء المفضلة، والعدو وأنواعه، وألعاب القوى البدنية كرفع الأثقال، والجمباز ورياضة الدفاع عن النفس، كالألعاب الشرقية للكاراتيه والتاكوندو والكونغفو، والمبارزة بالشيش والتي تقارن بمبارزة السيوف، وركوب الخيل.
يقول الرسول عليه الصلاة والسلام : ((علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل)). وفي إحدى النبوءات إشارة إلى أن الحرب الكبرى لنهاية العالم سوف يستعين فيها الإنسان بالخيول، وذلك وارد إلى حد بعيد.
تلك قوة الجسد، أما قوة الفكر فهو أن تمتلك وعيا مضاعفا بما تريد، ليس بالعالم كله، فليس كل واحد منا مطالب بأن يكون فيلسوفا كليا، ولكن القوة تكون بالإتقان في العمل، في أي عمل.. كقوة وعي الذات ومعرفة رغباتك وماذا تريد من الحياة، في أهداف يمكن تدوينها في ورقة مكتوبة، معرفة ما الذي يغضبك أو يسعدك، معرفة كيف تضبط عواطفك. ثم قوة ومعرفة كيف تتعامل مع الناس وكيف تنجح في العلاقات الإنسانية، وكيف تؤثر في الآخرين وكيف تكسب الأصدقاء. وقوة الإتقان في العمل ببراعة، بأداء المطلوب ثم الإبداع اللامحدود في أي وظيفة، سواء الكتابة أو الرياضة أو الإدارة أو الواجب، والأهم في ذلك كله لتكون الأقوى في المجتمع الأقوى هو أن تبدع شيئا جديدا، أن تقدم ما يجعلك متميزا أو متفردا على الآخرين. ومع ذلك كله هو الاستعداد للتغير الفكري في كل يوم وبنفس المبادئ، تغير يلبي احتياج الواقع، ويستوعب طبيعته. وهذه هي القوة الفكرية حتى بتعريفها الفيزيائي أي القدرة على التغيير.
وقوة الأفراد هي التي تنقلنا إلى قوة الجماعة أو الحكومة أو الدولة! فالحكومة الضعيفة تستمد ضعفها من مجتمع ضعيف، والحكومة القوية تزداد منعة من قوة شعبها، فمن السهل على الوزير المستبد أن يحكم مجموعة من الرعاع المزيفين والمنافقين والخائفين، ومن السهل عليه أن يلجم البكاءين والشكاءين وحتى الإرهابيين. فالمجتمع الضعيف يتميز بصفة هي الغالبة على مجتمعنا العربي، إما أن يكون الفرد خائفا خائرا وإما أن يكون صامتا وإما أن يكون ثائرا صارخا بلا منهج ولا فكر محدثا لبلبلة وفوضى، ففي السعودية على سبيل المثال هناك فرص سانحة لمساعدة الحكومة على تطوير البلاد، فبدلا من الصراخ في مجلس الشورى وفي الوزراء وكراهية الحكومة والحكم، أو حتى بسب وشتم موظفي القطاعات الحكومية تحت وطأة قهر وجهل وغباء وإهمال الكثير منهم، فعلى كل واحد منا يملك قوة الفكر أو قوة الجسد أو القوتين معا أن يعمل بدوره على نشرها فيمن حوله، في أكبر شريحة ممكنة، وكل الخير يأتي بعدها كاستجابة للإرادة الإنسانية. وينطبق الحال على شعب مصر وعلى العراق وعلى سوريا وعلى كل شعب عربي، فقوة العمل البناء تقضي وحدها على كل فساد وجهل، ولو بعد حين.
أما مفهوم قوة الدول فهو مرحلة انتقالية لقوة الأفراد الفكرية والجسدية، وهو يتمثل في القوة العسكرية، وتبدأ أولا بروح النضال ثم بالمبادئ السليمة التي تكون نظرة الجماعة للعالم، والتي تؤدي دورها في التكاتف الجماعي، فالرسالة الإسلامية الأولى بنيت على مبدأ نشر الدعوة الإسلامية وإعلاء كلمة الله على أعداء الإسلام. أما الرسالة الغربية للأمة الأمريكية فكانت التوحد في دولة واحدة تحت رسالة واحدة وتمجيد كلمة الله (النصرانية) في الأرض، أما الحروب الصليبية، فكانت رسالتها الكاذبة مبنية على حماية المسيحية من الإسلام، وإعلاء كلمة الرب. ورسالتنا اليوم يجب أن تكون (صناعة أمة متحضرة ومتمدنة منتجة علميا، والتوحد في نظام عربي سياسي شامل مشترك فاعل وحقيقي، وتحرير المسجد الأقصى والأراضي العربية والإسلامية، والدعوة للإسلام وللثقافة الإسلامية كبديل). والمستقبل الذي يبدأ من اليوم ومن يوم غد، يشير إلى حرب ثقافات قادمة.
إذا رسخنا مفهوم القوة الفردية في الفكر والجسد انتقلنا بإرادة لا واعية إلى مجد القوة العسكرية، وذلك عكس النظرية التي تدعو للحرب باستشهاد خاطئ بالآية الكريمة ((واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وانتم لا تظلمون)) [الأنفال:60] . إذ أن تأويل الآية في هذه الحالة هو أن نعد لهم ما استطعنا بإرادة الحضارة والمدنية أي العلم الذي يشكل الرسالة الجماعية المشتركة، لننتقل إلى القوة العسكرية. لقد انتصر العالم الإسلامي عسكريا واندحرت الحروب الصليبية بمساعدة الترك والمماليك من أمثال “قطز” الذي دحر ثاني أكبر إمبراطورية في العالم للمغول في معركة “عين جالوت”، مع الكثير من البدو الذي سيطروا على العالم الإسلامي من أمثال الدولة العثمانية، غير أن أمتنا تدهورت وانهزمت حضاريا في الوقت الذي اتجهت فيه الأمة النصرانية إلى العلم والتحضر والمدنية كبديل. وبهذا التصور الذي بلورته حول مفهوم القوة يكون هناك عدل في الإجابة على تساؤل قدم له مثقفون عرب الكثير من الأجوبة. فأشهر دعاة السلام هو المفكر الملقب بغاندي العرب “جودت سعيد” في كتابه الأول (مذهب آدم الأول) وعبر الاستشهاد بأحداث من السيرة النبوية الشريفة على السلم واللاعنف. وقد تأثر به مفكر مثل الدكتور “خالص جلبي”، والذي وضع شعارا ورؤية شخصية بعنوان (العلم والسلم). أما تيار غالب من فقهاء الإسلام فهم يدعون للحرب بذلك المبدأ القرآني وبدون حرب فعلية، وبدون مبادرة شخصية للقتال، ومنهم من ينشر فكر (الإرجاء) ليوم يأتي ينصر الله فيه المسلمين، وذلك هو البلاء العظيم بفقهاء عليهم أن يكون مشاعل مضيئة لا أيادي تطفئ نور الحق. أما التيار الثالث فهو أسوأ التيارات والذي يدعو إلى الاستسلام عبر الذوبان في الغرب والخضوع لأهدافه.
والدعوة للسلم لا تكون بدون دعوة للعلم، فالأمة المشغولة بالعلم والإنتاج والمعرفة قادرة على صنع مخططات بعيدة المدى لإنقاذ الأمة على المدى البعيد، إذا فأنا أدعو للعلم والسلم، ولكنني أدعو إضافة إلى ذلك وأهم للقوة الفردية فكرا وجسدا.
قوة العلم، قوة الثروة، قوة القوة.
الطاقة النووية قوة
((واعدوا لهم ما استطعتم من قوه ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله
وعدوكم واخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم
وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف اليكم وانتم لا تظلمون)) [الأنفال:60]






تصحيح معلومة الذي قتله الرسول هو أبي بن خلف وليس ابو جهل
شكرا عزيزي همام على التصحيح، هي أخطاء واردة عند الكتابة، تذكرني بخطأ نسبة حديث الإمام علي للرسول في كتاب المنقذ من الضلال للغزالي : (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا). شكرا لك مرة أخرى.
الأخ الكريم ماجد حمدان
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أستهل رسالتي بتحية طيبة ، وتقدير واحترام لما لمسته في كتاباتك من جوهر لطيف ومعدن قل نظيره . وأجدني شديد التطلع لمراسلتك والكتابة إليك ، فقد لمست فيك فكرا فذا وعينا بصيرة ، وإحساسا مرهفا بضرورة النهضة…ولكن هل تفي مساحة التعليق في حاشية موقعك الكريم لتبادل الحديث عن النهضة؟
لو أحببت أمكنني الكتابة إليك من خلال بريد ألكتروني ، فهو أسهل في معالجة النصوص وتبادلها،وإن أردت التواصل من خلال هذا الموقع نفسه فلا بأس .
أرجو أن ترسل لي ، وهذا عنواني الألكتروني بين يدك .
ولك مني التحيات والسلام
تشرفت كثيرا بوجودك وإطراءك وسعدت أكثر بتقديرك أخي الكريم أبو إبراهيم..
إذا أردت أن تتواصل معي على البريد فهو majid.alhamdan@gmail.com
وهو أمر يشرفني جدا
إذا أردت أن نتحدث على المدونة فأنا أفضل ذلك لسببين، الأول هو كثرة المواضيع التي دائما أطمح لنقاشها حتى لو كان بالاختلاف.. والسبب الثاني حتى يصبح الحوار مفيدا للجميع.
أحاول كتابة موضوع شامل عن فكرة النهضة، وهو الموضوع الأساسي الذي لم أكتبه بعد.
السبب هو أنني لا أريد أن أنتهي من الإنشغال بهذه الفكرة ولكن لا بد من تدوينها يوما.
تحياتي وتقديري أخي الكريم.