مستقبل الثوب العربي

 

بقيادة مصممين من الحجاز، وعبر تدخل نسائي نسبي أتوقعه أكثر بروزا في المستقبل القريب، بدأ الثوب السعودي في التغير، وهو تغيير يعكس ذائقة جديدة للإنسان السعودي. وأي ذائقة بشرية تنشأ نتيجة لطبيعة التفكير والسلوك والتطلع، فحب التعددية وتقبل الثقافات الإنسانية المتنوعة، يدفع الفرد إلى ذائقة تميل للتنوع. كما أن مبدأ التفكير يعكس فنا يعبر عن مضمون المبدأ، فالفن الإسلامي القديم يعكس المعتقد الإيماني. والمادية الغربية صنعت نوعا عمليا خالصا من اللباس كالبدلة الرسمية الحالية: (البنطال والقميص والكوت وربطة العنق)، إذ بدأ اللباس الغربي في التغير حتى وصل للراهن وذلك منذ القرون الوسطى عندما كان يشبه لباس المرأة من حيث التكلف حتى تركيب الشعر المستعار لطبقة ما يعرف تاريخيا بالأسياد أو النبلاء. أما قبل تلك القرون فقد كانوا يتشبهون في أزياءهم بالعرب والمسلمين كقادة للإنسانية، لذلك يبقى أثر الزخرفة على الزي الأوروبي القديم مع مزيج من الحضارة المسيحية.

 

هذا التغيير الجديد المحلي، لم يحدث للمرة الأولى في تاريخ العرب الحضاري، إذ أن المسلمين العرب الأوائل بدأ ثوبهم يعكس ذك التنوع والحس المرهف وطبيعة التعلق بالمطلق والغيب، خاصة بعد فتوحاتهم الإسلامية الكبرى لدول سابقة للحضارة المدنية كالعراق ومصر وخاصة الأندلس.

وقبل تلك الفتوحات كان لأثر الزخرفة والتشكيل والتنوع تأثيرا نسبيا لدى العرب الذين عاشوا قبلها بالقرب من تلك الدول كالغساسنة. غير أنه لم يتبلور في نموذجه الأرقى سوى بعد تلك الفتوحات.

يعكس تصميم الثوب المزخرف؛ التصور الفني للمبدع العربي المسلم القديم، وقد تحدثت في مقال سابق عن فن التعلق بالمطلق كالأشكال الهندسية للزخرفة الإسلامية والتي تنبع من مبدأ ((الوحدة من الكثرة، والكثرة من الوحدة)) أي من نقطة جوهر. هي زخرفة تنبع من مركز موحد يمثل خالق الكون عز وجل، وتأخذ أشكالا هندسية مستقيمة أو مائلة لتعبر عن الشكل النباتي الطبيعي، لتعلق الإنسان في مخلوقات الله وبديع صنعه.

لم يتمكن العرب في عصر الانحطاط من تطوير ذلك الفن الزخرفي بطبيعة الحال، والذي بدأ في العودة عبر الثوب السعودي الذي يميل للتقليد. غير أن هذه العودة قد تمثل بداية لابتكارات متنوعة، مشكلتها إذا ربطت باللباس الغربي بصورة مباشرة وساذجة، كابتكار ثوب رسمي بأكمام قصيرة، ويمكن لذلك الثوب أن يكون بيجاما على سبيل المثال، وليس ثوبا رسميا.

قصة بداية الثوب الذي نعرفه اليوم (ثوب، شماغ أو غترة بيضاء، عقال، كوفية، إضافة إلى البشت) بدأت منذ حياة الصحراء العربية، وكأي مقدر حياتي قد نشأ الثوب حينها فقيرا جدا لمعظم المكونات، فقرا ينشأ من طبيعة الصحراء العربية كافتقادها للمزيد من الأشجار والأنهار وتعدد الأدوات والمواد في الحياة المدنية وكذلك نقص التنوع العرقي؛ الذي يلهمها بتطور مكونات ما يرتدون وما يستخدمون. بعد الاستعمار البريطاني للعالم العربي والإسلامي والاستشراق البريطاني للجزيرة العربية بقيادة “لورنس العرب”، قامت انجلترا قائدة العالم في ذلك الوقت، بتصنيع كافة مكونات الرداء العربي المحلي بعد تطويره جزئيا وذلك لأهداف تجارية. حيث تحول العقال المقصب والمذهب والمتباين نسبيا في أشكاله حسب الصانع، إلى عقال أسود موحد، حاول البعض تعديله بعض الشيء كالعقال القطري المتدلي بخيط خلفي، أو العقال الكويتي الرهيف، أو العقال السعودي الضخم الأقرب للعقال القديم. ثم تغير الثوب وأخذ شكله الراهن، وكان للجاليات العاملة من الهند و الباكستان مع بدايات الطفرة الأولى دورا في إبداع الشكل الحالي للثوب السعودي والخليجي.

حاليا بدأ السعوديون أنفسهم بتغيير الشكل عبر منهجين. الأول هو تقليد زخرفة الثوب العربي القديم، والثاني هو تقليد تنوع الملابس الغربية ككل. أما مصدر الثوب النسائي بدون تشبه مباشر فله دور آخر.

 

وتبقى المشكلة هي عدم وجود لباس عملي يعكس الروح المدنية العاملة والمبدعة، فهو لباس رسمي موحد، وعندما لا تلبسه مع الشماغ بين البدو وخاصة في مدينة الرياض فذلك بالضرورة يشير إلى نقص الرجولة مما يقلل من درجة الإحترام. ومعظم الدول العربية خارج الجزيرة العربية استسلمت للرداء الغربي كما هو، حتى العثمانيون في نهاياتهم كانوا يرتدون معه “الطربوش” كلباس رسمي، فجاء “كمال أتاتورك” ليمنعه بسلطة القانون، هادفا إلى تعديل الهوية التركية نفسها.

الطبيعة النفسية لأي مجتمع هي الرفض أو التوجس من التغيير السريع، وذلك بقاعدة: ((المرء عدو ما يجهل)) كما قالها “علي بن أبي طالب” رضي الله عنه، وخاصة في المجتمعات المتخلفة والتي ترفض ما هو جديد وبدون تساؤل، وذلك لمجرد أنه جديد.

إنها إرادة التغيير الكامنة في أنفس ملولة، وفي تصوري، اعتقد أن الشكل الحالي سوف ينال المزيد من التغيير ليتحول الثوب الرسمي إلى ثوب أكثر زخرفة، ثم ينتقل إلى شكل عملي يلبي الحاجات المدنية المستقبلية ولو بعد ثلاثين عاما.

 

من يتخيل الثوب الحالي لو عاش في عصر الدولة العباسية، ربما كان المنظر يعكس غباء الفرد وربما كنقص في الرجولة.  ومن يتخيل البدلة الغربية الحالية لو عاش قبل ثلاثمائة عام، ربما كانت في نظر البعض أشبه بلباس مهرج كما يبدو نفس اللباس في الذهنية الراهنة.

إذا لن نستطيع صناعة ثوب مستقبلي وتطبيقه، فلو امتلكنا قدرة تطبيق ذلك المستقبل فهذا يعني أننا نعيش المستقبل بالفعل!

لنتخيل مجتمعا عربيا عمليا ناهضا قويا يملك ذائقة فنية سامية، وبتلك الطبيعة العملية تحول هذا الثوب إلى مزيج من البدلة والثوب الرسمي. أو لنتخيل بدلة معها الشماغ تعتبر كلباس رسمي، وهناك الحرس العسكري السعودي يتقيد بهذا النوع من الزي، إنما مع بدلة عسكرية غير مدنية.

بهذا المنطق السببي الحتمي، لا استبعد نوعا جديدا من الثياب العربية يعتمد على مزيج من الزخرفة العربية المتطورة وبين الجانب العملي للباس الغربي.



إقرأ أيضاً:


شارك:
  • Twitter
  • Facebook
  • del.icio.us
  • Google Bookmarks
  • Digg
  • Print
  • email

عذراً التعليقات مغلقة!