مفهوم القدر النسبي
المفاهيم الكبرى
هو الركن السادس من أركان الإيمان الستة و ينص على أن خالق الخير والشر هو الله تعالى، فكل ما في الوجود من خير وشر هو بتقدير الله تعالى. وبأن أعمال العباد من خير؛ هي بتقدير الله تعالى وبمحبته وبرضاه، أما أعمال العباد من شر؛ فهي كذلك بتقدير الله ولكن ليست بمحبته ولا برضاه.
فالله هو خالق كل شيء خيره وشره, وقول القرآن في سورة الفلق { قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق }, وما يؤكد ذلك حديث جبريل عليه السلام في الإيمان قال عليه السلام: { الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقَدَر خيره وشره } ، [رواه مسلم]. وصفة الإيمان بالقدر خيره وشره كانت إحدى الصفات التي اتصف بها عرب ما قبل الإسلام.
تفسير هذا الركن هو أحد أهم المشكلات الفلسفية الكبرى في تاريخ الفكر الإسلامي سواء في الفلسفة أو في علم الكلام. فالإيمان بالقدر خيره وشره يشمل حسب النص القرآني الإيمان بالمسببات ((وجعلنا لكل شيء سببا)).
وهو أحد المفاهيم التي أدت إلى نشوء مذهب القدرية وأحد أهم أسباب الخلافات الكبرى بين مذهب المعتزلة وبين مذهب أهل السنة والجماعة. وأول حادثة لحبس العلماء كانت في حبس أحمد بن حنبل، وأول خليفة ليس من مذهب أهل السنة والجماعة كانت باعتناق المأمون لمذهب المعتزلة.
فالقدرية يقولون أن القدر مطلق بيد الله وأن الإنسان لا يملك إرادته، أما المعتزلة فقد أسموا مذهبهم بمذهب التوحيد والعدل، حيث فسروا إرادة الإنسان المطلقة في التصرف وبأنها ترجع لطبيعة العقاب، إذ كيف يعاقب الله الإنسان بالجنة أو النار وهو لا يملك إرادة كاملة، أو كيف يعاقبه على تصرف ليس بإرادته، وذلك ما يتعارض مع صفة العدل الإلهي، فلا يمكن للخالق أن لا يتصف بصفة العدل.
أما رأي مذهب أهل السنة والجماعة فيقف بالمنتصف ويتوسط، حيث أن الإنسان مخير فيما يعلم مسير فيما لا يعلم، وهو التفسير الأقرب لمفهوم القدر. غير أن الأشعرية والتي غلبت في الفكر الإسلامي حينا من الدهر بعد صراعات بين علماء الكلام والفلاسفة والفقهاء، فقد أخذت هذا التفسير وبالغت في تجاهل القدرة الإنسانية على التصرف، فمجد التواكل، وأصبحنا اليوم نعيد كافة الأحداث لإرادة الخالق، ونناقض أنفسنا حينما نقول في نفس الأوان، أن ما يحدث لنا هو عقاب من الله على تصرفاتنا. وذلك ما يحدث بشكل فاضح في كافة ما نعيش وما نقرأ وما نسمع وخاصة من قبل نفر غالب من الفقهاء وعامة الناس.
إن التفسير الذي نحن بحاجة إليه هو ما يتوافق ولا يتعارض مع النص (القرآن والسنة). وفي نفس الوقت يجب أن لا يتعارض مع الإرادة الإنسانية في العمل وبناء الحضارة بالاستخلاف في الأرض ((وجعلنا في الأرض خليفة)).
لتصبح إرادة الله مطلقة، ومن تجليات تلك الإرادة المطلقة هو أن يهب الإنسان إرادة حرة نسبية (فيما يعلم) ويعلم الله بعواقبها، ويهبه تسيير نسبي (فيما لا يعلم) ترتهن بالإرادة المطلقة للخالق. وبتلك الإرادة الحرة النسبية الأولى للإنسان يصبح مسئولا عن ما يحدث له، وقادرا على تغيير ما يحدث له (بما يعلم).
فالإنسان الفقير لم يشأ أن يولد لأب فقير، غير أنه يبقى مسئولا عن ذلك الفقر، لأنه قد يعلم بسبل الخلاص وهو يتحمل المسؤولية بذلك العلم، إلا إذا كان مجنونا أو طفلا.
إن تلك المسؤولية تحدد التوجه الفلسفي، فقد يخالفني رأي قائل بعدم تحمله لمسؤولية حادثة ليست بيده. وذلك صحيح فيما لا يعلمه الإنسان، ولكنه غير صحيح فيما يعلمه (فإذا تعلم الفرد وسائل الخلاص من الفقر) أصبح مسئولا، أما حينما (لم يتعلم وسائل الخلاص من الفقر) يصبح غير مسئول عن فقره، ومن تلك الوسائل هي الصحة والعقل، أما لماذا يولد فقيرا ويصبح مسئولا فيما يعلم من وسائل الخلاص من الفقر، فتلك هي الإرادة المطلقة للخالق (فيما لا يعلم).
إذا يحدد تلك المسؤولية العلم، مثل الذي يموت ولا يعلم بالإسلام، فهو بين يدي الله، ولا نعتبره كافرا إلا إذا بلغت له رسالة الإسلام كاملة غير مشوهة، فكيف نقنع نصرانيا أو يهوديا لم يسمع بفكرة الإسلام عبر إرهابي يقتل الأبرياء.
ذلك هو خيط النور الذي اختلف بسببه المعتزلة وأهل السنة والجماعة فكانت نهاية الحضارة الإسلامية الفكرية وخيمة العواقب.
وعندما ارتد الغرب على الكنيسة وعاد لفكر العصر الهيليني فألحد بمفهوم الإرادة، واعتقد الغرب في صورته المادية أن الإرادة الإنسانية تغلب كل شيء، حتى الطبيعة. فانتصر الغرب حضاريا بمفهوم الإرادة الخارقة، ولكنه انهزم روحيا فكان ظالما للشعوب الإنسانية وظالما لنفسه بسبب عدم إدراكه لرهافة ذلك الخيط الذي أدركه المسلمون الأوائل.
المسألة هي العلم بتجليات مفهوم القدر، في الفكر والسلوك، وذلك هو الإدراك لمفهوم القدر النسبي، ليس مطلقا في الحرية وليس مطلقا في الإتكال، وبإدراك لتجليات المفهوم فهو وسطي في قاعدة أهل السنة والجماعة : مخير فيما يعلم مسير فيما لا يعمل، أما الوعي العملي لمعظم أهل السنة والجماعة فهو وعي إتكالي مطلق. ولإعادة صياغة وعي مفهوم القدر النسبي :
إذ أن الإنسان مخير فيما يعلم، ومسير فيما لا يعلم،
مخير في اختيار إما أن يكون فقيرا أو أن يكون غنيا ، ومسيرا فيما يمكن أن يحدث له إذا امتلك الثروة. فالنجاح في تحصيل دخل وظيفي أكبر، أو النجاح في تحقيق ثروة لا يكون بالتواكل. فكيف ينجح الملحد الكافر بالله؟ كيف ساد الأرض وقسى على المسلمين أنفسهم؟ ذلك بالأسباب، إذ يتدخل الله بمشيئته في إفقارك أو إثرائك ولكنك لا تعلم أن سبب الفقر هو إرادة الله، لا تعلم ذلك أبدا، وتكون بذلك الرأي مدعيا، فقد يكون السبب هو أخطاؤك وجهلك بإعادة المحاولة بطريقة جديدة، وأنت في عدم معرفة إرادة الله مسير، وأنت في معرفة أخطائك مخير.
أما على الصعيد الجماعي فكم من الفقهاء أفتوا بأن ما يحدث للأمة هو من إرادة الله، وأنه هو من يريد نهضتنا مستقبلا، وذلك ما يظهر جليا حتى في دعاء شيوخ المسجد الحرام بمكة.
ليس هذا هو العلم النافع الذي كان دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ يتناقض هذا الرأي الفقهي مع بديهية أن الله يعاقبنا على سوء أفعالنا كجماعات،((وما ظلمناهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون)) (النحل:118) ذلك هو منطق آية أنزلت على أهل الكتاب. إذ كيف تنهض الأمة بدون دراسة المسببات الدنيوية للهزيمة الحضارية التي يحصرها الكثير من باحثي الفقه الإسلامي الحديث في المسببات الغيبية كالبعد عن الله وما يشبهه، تجاهلا للمسببات الدنيوية التي تبعد بدورها عن الله أو عن العروة الوثقى.
أما كيف غلب مفهوم القدر في الوعي الجماعي فذلك ما حدث بعد الخلافات الفكرية الكبرى بين الفلاسفة وبين الفقهاء كان يمكن لنتائجها الإيجابية أن تطيل عمر الحضارة الإسلامية بقانون حتمية الأدوار. وقد بدأت بالخلاف الشهير بين ابن حنبل الذي انتصر بتعذيبه وحبسه على المعتزلة حول عدة مفاهيم أهمها القدر، وهو أيضا تصور الغزالي عن القدر وهو تصور الأشعرية. وهو تصور اتكالي مطلق، على حساب الإرادة التي وهبها الله للإنسان حتى يحاسبه عليها فيما يعلم، بعيدا عن تطرف المعتزلة بالتفسير المطلق لحرية الإرادة.
والمفهوم العربي غلب بخطأ كبير من قبل الفلاسفة هو استعانتهم بالعنف والظلم والتطرف الفكري، وهو موقف يعكس حالة ضعف وليست حالة قوة، كما يحدث لسدنة الظلام المعاصرون.
أما الغرب فقد تغلب عبر مجموعة من الفلاسفة قدست الإرادة على حساب النصرانية المستسلمة قدريا، وأبرز هؤلاء الفلاسفة هو الألماني “آرثر شوبنهور” في كتابه (العالم كإرادة وتصور) الذي اعتبره إجابة على كل تساؤلات الفلسفة، وأبرز من بدأ بتلك المفاهيم هو الألماني “هيجل” في تصوراته عن “حركة التاريخ”.
والمفهوم الغربي غلب بحتمية الواقع وبنتائج الصراع الفكري والعسكري الذي قدس الإرادة على حساب أي فكر ديني أو مذهبي، فاتجه للمكننة وساد العالم بتقديس العلم وكان ذلك التقديس على حساب الروح وهو لم يتجه في غالبه بهذا الاتجاه سوى في أقل من مائة عام، وهو يعود تدريجيا إلى إعادة تصوره لفكرة الروح.
لذلك بين هذا وذاك يكون القدر النسبي، وهو إرادة مطلقة فيما يعلم الإنسان، وإرادة اتكالية فيما لا يعلم.
esma 5 أكتوبر
شكرا لكن أريد توضيح أكثر
ماجد الحمدان 5 أكتوبر
دعوة إلى أن القدر ليس مطلقا وليس تواكلا كما انتشر في الوعي الشعبي السائد، هناك إمكانيات سخرها الخالق للإنسان كي يغير حياته ومجتمعه. فمجتمعنا العربي يستسلم للقدر، والدليل هو الإستسلام للهزيمة أمام العدو الصهيوني، فحتى عدد كبير من المشائخ يقولون الله أراد ذلك وعلينا أن نقبل به.
ليس هكذا نعي القدر، بل نعمل على تغييره.
إذا لم تتضح الفكرة أرجو أن تسأل مرة أخرى، وأهلا بك يا عصام، وفقك الله.
متطفل 17 أغسطس
بكلامك هذا تصبح نصف جبري ونصف مفوض وهو اشكال ثالث
حلت المسألة من قبل لكن لا احد يسمع
لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين الامرين
ابحاث شديدة العمق…تحتاج الى سعة العقل والصدر
لكن لا احد يسمع
ماجد الحمدان 17 أغسطس
لست متطفلا
أشكرك على سعة صدرك.. أذكر تعليقا لأحد القراء على ما كتبت هنا في أحد المنتديات ، كان ردا تكفيريا، وحين عودتي لقراءة تحليله ربما أنني أخطأت وجدت بأنه مجرد متطرف آخر في السلسلة.
المشكلة الأهم في ذلك هو طريقة تطبيق هذا المفهوم النسبي على أرض الواقع، وكيف يمكن إقناع الناس بنسبية القدر، بدلا من تسليمهم المطلق، وما هو مدهش يا عزيزي في المسألة، أن من يسمون أنفسهم بأهل السنة والجماعة يخالفون عمليا هذه النسبية التي تتبناها أهل السنة والجماعة ولكن دون فهم التطبيقات.
وكما تفضلت.. فلا أحد يسمع، ولكنها أشياء ستبقى إلى المدى البعيد حتى تسمع وتطبق بإذنه تعالى.