المفهوم كمفهوم في العقل العربي
المفاهيم الكبرى
يمكن لأي باحث متعمق أن يقرأ النقاط الرئيسة لما دون خلال الثلاثة آلاف عام منذ بدأ التدوين، ويمكن لأي قارئ فهم ما يكتبه الباحث لذلك التاريخ، ويمكن أيضا لأي عربي أن يدرك مفاهيم الإسلام ومفاهيم الفكر العالمي، ويمكن لأي قارئ غير مسلم ولا عربي إدراك مفاهيم الإسلام.
ما هي المفاهيم؟
هي القضايا التي بدأت بدراستها الفلسفة، وهي القضايا التي تهتم بها حقول المعرفة. وتحديد تصور لتلك المفاهيم هو المحدد لطبيعة السلوك الفردي والجماعي، ودائما ما تقوم الأمة الواحدة، بتغليب تصور معين حول المفهوم هو الذي يحدد حينئذ مصيرها.
بصورة أكثر تبسيطا، فقد تطور علم النفس الحديث متبلورا في التطوير الذاتي الذي يحث على أن حياة الفرد ما هي إلا انعكاس لعقله، أو بصيغة أخرى، الأفكار هي التي تحدد المصير.
نشأ هذا المفهوم الذائع في التطوير الذاتي عبر خبرة الثلاثة آلاف عام الفكرية، إذ دائما ما تبدأ الفلسفة على أبراج عاجية ثم يأتي لمن ينزل بها إلى أرض الواقع، وذلك ما فعله سقراط حينما كذب وهما سائدا : بأن العبد يستطيع أن يفكر مثل السيد النبيل إذا ما أمتلك مهارات التفكير الفلسفي. وذلك أيضا ما فعله “عبد الرحمن ابن خلدون” عبر إنزالها إلى أرض الواقع والاستنتاج العلمي بإبتكار منهج علم الإجتماع.
[أحد أهم المفاهيم التي أسست للتخلف والصراع العربي الإسلامي هو إدراك مفهوم القدر والإرادة والسببية، فالقدر هو التواكل في الوعي السائد لا الاتكال وما بينهما شعرة رهيفة لإدراك الفرق. إذ أن الإنسان مخير فيما يعلم، ومسير فيما لا يعلم، مخير في اختيار إما أن يكون فقيرا أو أن يكون غنيا ، ومسيرا فيما يمكن أن يحدث له إذا امتلك الثروة. فالنجاح في تحصيل دخل وظيفي أكبر، أو النجاح في تحقيق ثروة لا يكون بالتواكل. فكيف ينجح الملحد الكافر بالله؟ كيف ساد الأرض وقسى على المسلمين أنفسهم؟ ذلك بالأسباب، إذ يتدخل الله بمشيئته في إفقارك أو إثرائك ولكنك لا تعلم أن سبب الفقر هو إرادة الله، لا تعلم ذلك أبدا، وتكون بذلك الرأي مدعيا، فقد يكون السبب هو أخطاؤك وجهلك بإعادة المحاولة بطريقة جديدة، وأنت في عدم معرفة إرادة الله مسير، وأنت في معرفة أخطائك مخير.
أما على الصعيد الجماعي فكم من الفقهاء أفتوا بأن ما يحدث للأمة هو من إرادة الله، وأنه هو من يريد نهضتنا مستقبلا، وذلك ما يظهر جليا حتى في دعاء شيوخ المسجد الحرام بمكة.
ليس هذا هو العلم النافع الذي كان دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ يتناقض هذا الرأي الفقهي مع بديهية أن الله يعاقبنا على سوء أفعالنا كجماعات،((وما ظلمناهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون)) (النحل:118) ذلك هو منطق آية أنزلت على أهل الكتاب. إذ كيف تنهض الأمة بدون دراسة المسببات الدنيوية للهزيمة الحضارية التي يحصرها الكثير من باحثي الفقه الإسلامي الحديث في المسببات الغيبية كالبعد عن الله وما يشبهه، تجاهلا للمسببات الدنيوية التي تبعد بدورها عن الله أو عن العروة الوثقى.
أما كيف يغلب المفهوم في الوعي الجماعي فذلك ما حدث بعد الخلافات الفكرية الكبرى بين الفلاسفة وبين الفقهاء كان يمكن لنتائجها الإيجابية أن تطيل عمر الحضارة الإسلامية بقانون حتمية الأدوار. وقد بدأت بالخلاف الشهير بين ابن حنبل الذي انتصر بتعذيبه وحبسه على المعتزلة حول عدة مفاهيم أهمها القدر، وهو أيضا تصور الغزالي عن القدر وهو تصور الأشعرية. وهو تصور اتكالي مطلق، على حساب الإرادة التي وهبها الله للإنسان حتى يحاسبه عليها فيما يعلم، بعيدا عن تطرف المعتزلة بالتفسير المطلق لحرية الإرادة.
والمفهوم العربي غلب بخطأ كبير من قبل الفلاسفة هو استعانتهم بالعنف والظلم والتطرف الفكري، وهو موقف يعكس حالة ضعف وليست حالة قوة، كما يحدث لسدنة الظلام المعاصرون.
أما الغرب فقد تغلب عبر مجموعة من الفلاسفة قدست الإرادة على حساب النصرانية المستسلمة قدريا، وأبرز هؤلاء الفلاسفة هو الألماني "آرثر شوبنهور" في كتابه (العالم كإرادة وتصور) الذي اعتبره إجابة على كل تساؤلات الفلسفة، وأبرز من بدأ بتلك المفاهيم هو الألماني "هيجل" في تصوراته عن "حركة التاريخ".
والمفهوم الغربي غلب بحتمية الواقع وبنتائج الصراع الفكري والعسكري الذي قدس الإرادة على حساب أي فكر ديني أو مذهبي، فاتجه للمكننة وساد العالم بتقديس العلم وكان ذلك التقديس على حساب الروح وهو لم يتجه في غالبه بهذا الاتجاه سوى في أقل من مائة عام، وهو يعود تدريجيا إلى إعادة تصوره لفكرة الروح] (1) .
***
ما سبق هو تصور موجز لمفهوم ومترادفات القدر، بهدف عرض تجليات أي تصور عن المفهوم على السلوك الفردي والجماعي، والهدف الرئيس من المقال هو شرح مفهوم المفهوم، مع عرض لمفاهيم أساسيا وفرعية، تحتاج إلى إعادة صياغة تصورها، سوف بعضها بالعصف الذهني :
الإسلام، الولاء والبراء، العقيدة، الشريعة، العلمانية، الليبرالية، القدر، الإرادة، السببية، الأخلاق، العمل، المدنية، الحضارة، الاختلاف، الكفر، الإيمان، التفكير، الجهل، المعتزلة، السنة، الشيعة، الإمامة، الفتوى، الولاية، السياسة، الطاعة، الملكية، الدستورية، الجمهورية، الشورى، الديمقراطية، الحرية، العدل، المساواة، المرأة، الرجل، الوجود، العدم، الثقافة، الحضارة، المدنية، المدينية، الطبيعة، الفلسفة، علم الكلام، الله، العقل، النقل، الغلو الديني، الوسطية، السياسة، الحاكم، المحكوم، العبادة، الدين.
تلك هي مفاهيم يحدد تصورها السلوك الواعي واللاواعي للأفراد والجماعات، وكافة المفاهيم المسرودة قد تجدد الجدل العربي حولها، فالعلمانية أصبحت رديفا للحرية، والولاء والبراء تحول لمفهوم عنفي بإعلان الحرب والجهاد، والتفكير أصبح مستعينا بغيره إما بالسلف الصالح، وإما بالفلسفة الغربية، كما ربطت الإرادة بالتواكل وكما ربطت العلمانية بالحرية. أما مفهوم الشورى فلم يتطور مدنيا فاستعان العرب بالديمقراطية الغربية والتي تعلي من شان “النزعة الفردية” على حساب الجماعة في التصور الإسلامي، كأن يحق للفرد أن يسكر ولكن لا يحق له أن يقود السيارة وهو سكران. رغم أن حقه في السكر هو تجني بذاته على العائلة وعلى احتمال وارد بالزنا والسرقة والقتل والكذب، كما هو احتمال قيادة السيارة للسكران بقتله لنفس بريئة.
فالتصور الغربي المتكل على العقل رشده منقوص وغير ناضج ويركز بإرادة النزعة الفردية على الرغبة، وذلك ما عالجه مفهوم النص الإسلامي روحيا.
(1) اقتباس من مقال الكاتب : مفهوم القدر النسبي