الليغو Lego
إرادة المادةلماذا يحب الأطفال الأذكياء هذه اللعبة؟
أول هدية جاءتني من عمتي المتزوجة حديثا حينما كنت في الثامنة من عمري،هي لعبة Puzzleمغناطيسية مكونة من قطع مفككة عند تركيبها تشكل لوحة لا أذكرها جيدا في عمر أصبح بعيدا اليوم، ولكنني أتذكر جيدا لذة ذلك الفرح الطفولي الغامر، كمن جيء له ببوابة للانتقال في الزمن. تطورت رغباتي وبإلحاح الطفل الوحيد لأبيه استطعت أن أحصل على لعبة الليغو Lego الأولى في حياتي، وكانت كبيرة الحجم.
إنها اللعبة الأكثر عبقرية في التاريخ، ومنذ نشأتنا كأطفال نتعلم تركيب هذه اللعبة لنتعلم وعيا ولا وعيا لعبة بناء العالم… ذلك هو الجواب.

في لعبة الشطرنج أنت تلعب مع خصم تريد هزيمته، أو تريد نصرك، لديك مربعات تشبه الليغو هي البساط الكوني لساحة التفكير، كل ما أنت بحاجة إليه هو التخطيط التكتيكي ورؤية أبعاد الأشياء والمزيد من التحليل الذهني لخيار الحركة بين الأحجار الكائنة على هذه المربعات.
أما لعبة الليغو فقد تتكون من قطع بغاية الصغر، يمكن من خلالها تكوين جسد بشري ولكنك لا تستطيع نفخ الروح في ذلك الجسد. مكونات القطع يمكن أن تكون من البلاستيك أو حتى الخشب أو الزجاج أو المغناطيس أو الطين أو الحديد أو الأحجار الكريمة. وهذه المكونات وجدها الإنسان في الطبيعة، كل مكون يرجع في نهاية المطاف إلى قوة غيبية!
كيف؟
البلاستيك من مشتقات النفط، والنفط من مخلفات الكائن الحي عبر آلاف السنين، أما الخشب فهو من مكونات النباتات الحية، أما المغناطيس فقدرته لا يمكن تفسيرها علميا وهي أشبه بالروح، أما الطين فهو مزيج من التراب والماء، والماء يجعل من كل شيء حي، أما الحديد فهو مدفون تحت الأرض ((…وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ…)) [الحديد:25]. أما الأحجار الكريمة فهي من ترسبات كائنات حية لآلاف السنين.
أشهر العناصر التي تكون الطبيعة والتي تحدث عنها الفلاسفة هي العناصر الأربعة (الماء والتراب والهواء والنار) سواء في الفلسفة الشرقية أو الإغريقية أو السامية، تلك كانت أشهر الأجوبة، وفي حديث الرسول عليه الصلاة والسلام (وكان كل شيء من الماء) و القرآن يشير ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ۖ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ)) [الأنعام:2]. وطاليس أول من قال من الفلاسفة اليونانيين بأن الكون أصله من الماء، وهي فكرها استلهما من الكتب السماوية السابقة.
في هذه اللعبة كطفل تقوم بإعادة تركيب الأشياء، أما تساؤلات الفلسفة فهي نفس التساؤلات التي يسألها الأطفال بعد تعلم اللغة مع مزيج الشعور بالدهشة أمام صدمة العالم، والطفل هو فيلسوف فطري.
لنلعب قليلا بالليغو برسالة مشروعي الثقافي : ((تفكيك فلسفي للمعرفة للعلم للإنسان والمجتمع العربي الإسلامي العالمي، لصياغة مذهب فلسفي ثوري يساهم في بعث المجد الحضاري للأمة)).
متن الرسالة ينقسم بين مربعي شطرنج (تفكيك – صياغة) أما (المعرفة) فتتناول المحسوس كمعرفة كيف نركب قطع الليغو أما (العلم) فيتناول اللا محسوس. كمعرفة من ماذا تتكون خامات الليغو من مادة أو طاقة. (الإنسان) يركب (المجتمع)، أما المجتمعات فهي (العرب) كخير أمة أخرجت للناس في وسطيتها وحامل الرسالة، و(الإسلامي) كمجتمع مشترك الرسالة، و(العالمي) كهدف الدعوة التوحيدية الكبرى.
إنها لعبة فكرية..
نلعب دائما في كل شيء، وفي نظرية قمت بابتكارها تحولت نظرية الألعاب لمبتكرها الأبرز الفيزيائي “جون ناش” إلى نظرية تطور الألعاب التي صغتها، فاللعبة تتحول إلى حالة فن، ثم تنتقل إلى مرحلة علم يمكن تطبيقها وممارستها بعد تعلمها، غير أنها تبقى في الأساس لعبة ((اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)) [الحديد:20]

يمكننا تركيب سيارة، تمشي بمقود ودواسة، والمقود يرتبط بالعجلات، والدواسة ترتبط بالمحرك، وهذا المحرك في داخله مغناطيس، والمغناطيس قوة روحية، والمحرك لا يمشي إلا باحتراق الطاقة، والطاقة من النفط والنفط قوة روحية من كائنات ميتة.. وقائد السيارة هو الإنسان، ولو تغيرت الطاقة بالكهرباء بديلا عن النفط فهذه قوة روحية أيضا بلا سبب علمي محدد.
هذه السيارة هي لعبة قطع ليغو كذلك، والغرب يعيش إنسانيا بدون تلك الروح، بدون تلك الطاقة، لذلك إبتكر التيار المادي الغالب فكرة التطور. والطريف أن الطاقة الكبرى أيضا في جزيرة العرب، وجزيرة العرب هي مركز الأرض في الجغرافيا الأولى، وهي كعبة الدنيا قبل أن يخلق الإنسان.
ما أجمل تفكيك الأشياء بطفولة قلب، ثم العمل بشغف على إعادة تركيبها.
بطريقة الليغو يمكن أن نعيد نحن العرب، بناء الحضارة الإنسانية، فكل شيء قابل للتفكيك وإعادة التركيب، وذلك عبر المنهج التجريبي الذي ابتكره المسلمون.
إنها لعبة ليقظة العقل..

