قم سيدي نعصي جبار السموات

قم سيدي نعصي جبار السموات

 

أبو نواس

 

 

 

هذا الشطر من البيت علاما يدل؟!

 

أزعم أن هناك شيء محددا، يدل عليه هذا البيت، ليس على الشاعر وحده، ولا على المخاطب بهذا البيت، بل ما هو أبعد من ذلك..

 

في تلك العصور للمجتمعات الإسلامية، ساد فيها المسلمون العالم بقوتهم وعلمهم، وكان العلماء سلطة فوق السلطة. وانعكس من  تلك الحضارة كل صفات المجتمعات المتحضرة والقوية، والتي يمكن أن تنعكس من  أي مجتمع إنساني مع فارق القيم الراسخة والمستندة على أمرين في بنية العرب القدامى وهما: العادات العربية الكريمة، وإتمام الإسلام لها، كما قال بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنما أوتيت لأتمم مكارم الأخلاق).

 

إذا فقد كان المسلمون يعيشون حضارتهم، وكل حضارة تتعرض للترف والإقبال على الدنيا وتمر بمراحلها الثلاث التي أصلها ابن خلدون.

 

ولكن بعد هذه المقدمة، على ماذا يدل هذا الشطر من البيت؟

 

هذا يدل على أن المسلم في ذلك الوقت يمكن أن يزني، وأن يسرق، وأن يسكر، وأن يخون، وأن يفعل كل الموبقات ولكن الله كان موجودا في حياة الناس..!

 

كان موجودا برسوخ وبثبات، ويتعامل الناس مع بعضهم على أنه موجود وحاكم، لم تكن جملة (هذا حرام) بين الناس تدعو للخجل، بل كانت مخيفة جدا، وتصدر من قلب خاشع. لم يكن هناك تجاهل شائع بينهم لله عندما يعصون ويفكرون، كانوا يشعرون بوجوده في دراستهم الصادقة، وفي اجتماعاتهم التي لا تكون إلا في المساجد، وفي علومهم حتى الفلسفية منها والطبيعية، حتى في معالم مدنيتهم. قال أحد الشيوخ البوسنويين على سبيل المثال: إن حجاب المرآة ولحية الرجل يجب أن تكون موجودة حتى يكون الإسلام موجودا بين الناس…

 

حسنا هل هو موجود الآن؟

 

الجواب ليس بنعم أو لا ولكن ما هو أسوأ.. لننظر إلى أفكار وسلوكيات الشعراء أو الكتاب أو المفكرين المعاصرين.. فمثلا يتحدث نزار قباني في أحد قصائده الغريزية، بأن هذا القلب كقمقم حتى الله لا يعلم ما بداخله.. ونجد أكثر من ذلك في أشعار البياتي والسياب ومحمود درويش مع تجاهل كل التعديات الآخرى، وكأنهم يستشعرون ولا أقول يفكرون بالوعي، تلك الفكرة التي نقلها أيضا نجيب محفوظ في روايته أولاد حارتنا عبر جبلاوي الذي شاع نبأ موته بين الناس، كان ذلك رمز لله، كان ذلك إستسلام لموجة الإلحاد القادم من الغرب.

 

 

هذا ورغم تطرفه في الفسق، وقبل وبعد توبته الشهيرة، فقد كان الله عند ابن نواس جبارا بل وعزيزا ومنتقما ومعزا ومذلا وباقيا ومالك الملك ذو الجلال والإكرام.

 

إن الفرق بين المرحلتين أن أبا نواس وغيره من شعراء عصره وفي بيئتهم، كانوا يعلمون أنهم يعصون الله بجبروته وبقوته. ولكن كتاب وشعراء العصر الحديث، حتى لو فكروا بإدراكاتهم الواعية فأنهم أقرب لإساءة الأدب مع الذات الإلهية. وهو ما يأتي بداعي الكبرياء الضعيف من ألم الدنيا وربما من تفاهة الحياة وعدميتها كما تحدث درويش في الجدارية التي جاءت في مرحلة متقدمة من حياته الشعرية.

 

وحديثنا ليس عن الشعراء أبدا، بل عن إفراز سلبي لواقع مضطرب يبحث فيه أهله عن الخلاص، وهم ينهلون من أعراضه، ويستلذون بسماع آهاته الجنسية.

 

كم هو مقرف أن يكون للثقافة العربية شعراء تلك هي شاعريتهم، شاعرية عصر جاهلي تنبأ بها الرسول الكريم.

 

جاؤوا ورحلوا وليتهم لا جاؤوا حتى لا يرحلوا من هذا الطريق..!

 

فقد كنا أحوج ولو إلى كذاب يصنع الحقيقة.. وليس إلى كذاب يشكل أبعاد الكذبة! ولكن على ماذا التضحية.. فقد كانت حيواتهم لا تستحق ذلك الموت..!

 

رحمك الله ياسيد قطب..!

 

‏03‏/01‏/2005



إقرأ أيضاً:


شارك:
  • Twitter
  • Facebook
  • del.icio.us
  • Google Bookmarks
  • Digg
  • Print
  • email

عدد التعليقات: 3

  1. صهيب
    7 مارس 2009

    شكرا لك وبارك الله فيك

  2. 8 مارس 2009

    أهلا بك أستاذ صهيب

  3. 24 سبتمبر 2010

    جزاك الله خير وبارك فيك
    اتمني لك مزيدا من التقدم والتوفيق .