المبتعث السعودي وإرادة التفوق

يمثل المبتعث السعودي قوة محلية حضارية جديدة، قد يقدر لها أن تعكس شكل النهضة الجديدة والمستهدفة للمملكة العربية السعودية وللعالم العربي، كدماء إدارية وعلمية جديدة في جسد الأمة، ولكن يبقى التساؤل المصيري عن مستقبل هذه الدماء في ذاك الجسد!

 

طلبة القانون، ماذا نريد منهم، وإلى أين هم ذاهبون؟

 

في الإدارات التشريعية أم التنفيذية أم القضائية، وهل يستجيب لها النظام الأخلاقي الإداري لتغير حياة الناس للأفضل، وهل ما نزلنا نحلم بدستور قرآني شرعي وقانوني حديث مكتوب ومدون.

 

طلبة التجارة الإلكترونية ماذا يريد منهم القدر وماذا هم فاعلون؟

 

إلى قطاع حكومي متطلب لقدراتهم، أم في قطاع خاص يعطيهم حق الاهتمام لدفع عجلة التقدم التقني البرمجي، وهل تسهل لهم البنية الإدارية طريق المستقبل المهني الزاهر في مجال التجارة الإلكترونية والتي تستحوذ على إجمالي يزيد عن 85% من حجم التجارة العالمية.

 

طلبة الطب، بعد عودتهم، ما هو مصيرهم؟

 

هو يكمن في عدة خيارات، إما توظيفهم كأطباء بدلاء للأطباء الغير سعوديين وذلك مرهون كذلك بحمايتهم في القطاع الخاص من تفضيل رخص أجور الأطباء الغير سعوديين، مما قد يمهد لهجرة العقول في البلدان المجاورة. أو تبنى الكفاءات العالية في المراكز البحثية التابعة للحكومة أو للقطاع الخاص، أو تقلدهم للمناصب الإدارية مستقبلا. فضلا على أن الطبيب الذي يبني أمة متفوقة هو طبيب عالم ومكتشف يخترع أدوية ووسائل علاج للأمراض ذلك وهو يتعلم، لا مجرد أن يكون وعاء للمعرفة!

 

طلبة الفيزياء والكيمياء والأحياء والفلك، هل توفر لهم المعامل البحثية والإنتاجية؟

 

وما جدوى دراسة الفيزياء ونحن مجتمع بدون مراكز بحث علمي فاعلة تطور في النظريات ثم توظفها في المنجز المعملي، لا أن تدرس ما يدرسه الغرب قبل مائتي أو أربعمائة عام. الفيزيائي الأمريكي الشهير “جون ناش” على سبيل المثال، استفادت منه معامل الاتصالات التابعة للشركات الأمريكية في إنشاء الأنظمة الهاتفية. وهو دور يجب أن تتبناه إدارات شركات الاتصال العربية، بدلا من أن تركز على شراء منتجات الشركات الأجنبية فتسمي أعمالها (جهلا) بالريادة. أحد الدروس العالمية لهذه الاستفادة قيام شركة نوكيا الفنلندية بالتعاون مع جامعة أكسفورد البريطانية للقيام بأبحاث تتعلق بتطوير منتجات الاتصالات، وذلك ما يشير إلى المنهج العلمي المستهدف للجامعات المحلية في تبنيها للعقول السعودية. وتجربة العالمة السعودية حياة سندي ماثلة للبصائر، وهي القائلة : (أحلم بأن أرى بلدي أفضل بلاد العالم في مجال التقنية الحيوية، وأطمح إلى الإسهام في تحقيق ذلك) ومع ذلك فقد عانت بدورها مع العقم المترسب للأنظمة الإدارية المحلية، والحلم العربي الإسلامي السعودي يحتم علينا أن نحتذي بإصلاحات الملك عبد الله عند قيامه على سبيل المثال بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب فأصبح مثل الدكتور عبد الله الربيعة وزيرا للصحة. وفتح الأبواب للمتفوقين هو بذاته ثورة لنهضة المجتمع.

 

هذه الثروة العقلية الجديدة قد تكون أيضا معرضة للسرقة، عبر تبني الدول الأجنبية للكفاءات الاستثنائية في معاملها البحثية، رغم أن الانتماء والهوى العقدي والوطني قد يؤدي بالعربي المتفوق إلى الهلاك عند الاصطدام بنفس الترسبات الإدارية العقيمة، ولا بأس أن يتفوق أحمد زويل حتى في قلب الدولة الصهيونية، فهو لا زال مسلما عربيا مؤهلا لأن يكون سلاحا علميا لأمته.

 

ولنضمن نجاح المبتعث السعودي كان يجب أن تكون هناك شروط للتفوق! تقول الرواية أن جماعة من الطلبة اليابانيين عادوا منبهرين لا يفقهوا شيئا! فكان مصيرهم الإعدام الجماعي. ورغم فظاعة العقاب، غير أن ذلك كان درسا فذا لمحاربة الكس العقلي والذي تعود عليه طلابنا لعقود. كان يجب أن تكون هناك عقوبات سعودية صارمة تصل إلى شرط إعادة تكاليف الابتعاث، في الوقت الذي كان الطالب الياباني القديم يعمل بوابا أو غاسلا للأطباق حتى يوفر مصاريف المعيشة في دول الغرب.

 

ليس الهدف تحقيق نتائج (حفظية) مصيرها طي النسيان، بعد حصول الطالب على الشهادة،  بل التفوق بتلك العلوم الجديدة. لقد كانت معجزة الطلبة المبتعثين اليابانيين هي معرفة سر تركيب الآلة، رغم أنها كانت إرادة كامنة لدى بعض الطلبة، في الوقت الذي لا نعلم عن المبتعثين السعوديين إشارات تنبئ عن الرغبة باكتشاف علوم الغرب بل وانتزاعها وإعادتها إلى أهم مصادرها. وكأن الابتعاث السعودي التاريخي الذي قد لن يتكرر لعقود، قدر له أن يكون بلا هدف علمي محدد، في الوقت الذي يزور بعض الطلبة السعوديين مقر السفارة الصهيونية في أمريكا جهلا بسياسات ومبادئ بلادهم ودينهم.

 

وقد اختارت اللجنة المنفذة للابتعاث عدة تخصصات تركز على الاحتياج الوطني، غير أنها تجاهلت العلوم الإنسانية بكافة فروعها. رغم أن التاريخ الحضاري للأمم ينهض أولا بالعقلانية ثم يسيطر على المادة، والعقلانية هي التي تؤسس للفكر العلمي المنهجي التطبيقي، كعقلانية النص القرآني، وكعقلانية ديكارت أبو الفلسفة الحديثة الغربية ومؤسس المنهج العلمي المستلهم من المسلمين. فعلوم الإجتماع والفلسفة والتاريخ والآداب، هي محور تغيير أفكار الناس عبر ذلك العدد النسبي والمؤثر في العدد الغالب. بدون هؤلاء يمكننا إنشاء (ماكنة) إنتاج عالية الكفاءة، ولكن لا يمكننا التأسيس لشعب قادر على إدارة هذه (الماكنة) بما يحقق صلاحه هو أولا، فالمادية الغربية المنتصرة نسيت الروح مقابل المادة فانهارت أخلاقيا مع ذاتها ومع الآخر. أما اليابانيين فقد كان الابتعاث أحد الوسائل التي سبقتها مجموعة كبيرة من الحلول الداخلية مثل محو الأمية عبر ثورة الميجي الشهيرة.

 

كيف يستطيع طالب في الفيزياء أو الرياضيات أو الإدارة أن يحل المشكلات الاجتماعية وهو لا يفهم مسبباتها وحلولها الثقافية، هو نفسه من يعتقد أن أمه لا يجب أن تشاركه سفرة الطعام، في عادة منتشرة في معظم أرياف المملكة العربية السعودية.

 

ويبقى مصير المبتعثين السعوديين في كف النظام الإداري الراهن، إنها مهمة وطنية لكل مسئول حكومي، ولكل وطني، إذ لا تنهض الأمم وهي مفتقدة لأخلاق الاستقامة والانضباط والمسؤولية والإتقان والشفافية واحترام جهود الآخرين والكلمة الحسنة.

 

لقد أراد اليابان أن يتفوق على الغرب فأحسن شبابه عملا، فهل يريد الشباب السعودي عزة النفس والتفوق ذلك والفرص دائما ما تناديه وهو لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم!



إقرأ أيضاً:


شارك:
  • Twitter
  • Facebook
  • del.icio.us
  • Google Bookmarks
  • Digg
  • Print
  • email

عذراً التعليقات مغلقة!