الرسول والصحابة والبداوة

 

لم يكن الرسول عليه الصلاة والسلام بدويا ولا أعرابيا ولا بدائيا، ولا معظم صحابته الكرام، والفرق بين البداوة والتمدن كالفرق بين المعتقد وبين ضده. بل كان مدنيا من أهل المدينة يرعى الغنم ومستقر في مدينته بازدياد رهافة الحس وليس رحالا يفرض عليه الترحال الجفاوة. يتاجر بين المدن بالبضائع ويختلط بالثقافات المتنوعة، ولا يسافر للبحث عن الماء والغذاء بعيدا عن الثقافات البشرية، يستخدمون في حياتهم مختلف الأدوات الصناعية التي يصنعها الحرفيين والتي تفرض الذكاء وحسن التصرف والإبداع وبالتالي رهافة الحس كذلك. كان الأطفال يملكون الألعاب بأنواعها كالعرائس التي كانت بحوزة عائشة رضي الله عنها، وكان لمواعين المنزل عشرات الأنواع وعشرات المسميات للماعون الواحد، وذلك ما لا يميز حياة البداوة.

هذه الطبيعة الاجتماعية للمدينة ترهف الحواس، وتعقيداتها أبعد، وبالتالي تؤهل الإنسان لقدرة أعلى في التكيف مع تعقيدات العالم والآخرين والتآلف معهم، بينما البداوة لا تقبل سوى بالانسجام فيما هو غير منسجم، وبالرأي الواحد فيما هو مختلف عليه، حتى في النسب والعرق لا تقبل سوى ما هو مرادف، كونها تجهل الآخر فترفضه وتعاديه وتستعديه.


عندما نعتقد أن العرب كانوا بدوا فتلك جريمة كبرى نرتكبها بحق التاريخ العربي الإسلامي، ولو كان الرسول محمد بن عبد الله باني الحضارة الإسلامية بدويا أعرابيا لما كان لنا اليوم وجود بل ولما أنزلت عليه الرسالة السماوية، فالأنبياء كلهم رعوا الغنم، ولكنهم لم يكونوا بدائيين.

نظرية محمد بن عابد الجابري في مشروعه لتكوين العقل العربي تتحدث عن عصر التدوين الذي ركز على تدوين الثقافة الأعرابية، وقد مجد التاريخ الحديث البداوة متمثلا في قنوات متعددة منها السينما العربية الهابطة نتيجة توقف العقل عن التفكير والتساؤل وإستسلامه لتصورات الغالب الغربي. لينسى الكثير من العرب الفرق الذي أدركه الأجداد المؤسسون الأوائل بين البداوة وبين التمدن، وهو الفرق الذي يتجاهله أعداء العرق العربي وأعداء الحضارة الإسلامية، كالشعوبية القديمة والغرب الحديث في تياره العنصري.

 

يطول الحديث عن هذه القضية الشائكة في صميم الوعي العربي، وأول من بلورها كان العلامة عبدالرحمن بن خلدون بعد أن كشف طبيعة العالم العربي الإسلامي الجدلية بين الصحراء وبين الأنهار، هذه الجدلية التي كانت مسئولة كثيرا عن هزائم العالم العربي المسلم، فالبدو أهل جند وعسكر، وليسوا بأهل بناء حضارة مرهفة الحواس بتعبير ول ديورانت. لذلك لم يكن الرسول ولا الصحابة الكرام ولا أهم بناة الحضارة الإسلامية لا بدوا ولا من حولهم.

 

والبداوة ليست نسبا أو عرق، بل هي سلوك معيشي.

 

 

 



إقرأ أيضاً:


شارك:
  • Twitter
  • Facebook
  • del.icio.us
  • Google Bookmarks
  • Digg
  • Print
  • email

عدد التعليقات: 3

  1. ليلة خميس
    13 مايو 2009

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    كنت دائماً أختلف معك في إلقاء اللوم على العقلية الأعرابية في تخلفنا (إن صحت العبارة). و لكن في الأيام القليلة الماضية اكتشفت أنك على حق في ذلك و سوف نلتقي يوماً – بإذن الله – لأبين لك قناعتي الجديدة حول هذا الموضوع.

    قلت في سطرك الأخير:

    “والبداوة ليست نسبا أو عرق، بل هي سلوك معيشي.”

    نتفق جميعاً بأن البداوة كسلوك معيشي كانت سائدة قبل عدد من السنين و هي الأن شبه منقرضة في هذا الزمن. و لكن قد أختلف مع الجزء الأول من الجملة المقتبسة أعلاه و أقول لك بأن البداوة لا زالت نسباً حتى و لو اختفت كسلوك معيشي. قد تكون الأسباب خلف بقاءها و إستمرارها بهذا الشكل كثيرة و لكن منها أن نسبة كبيرة جداً من الأشخاص الذين ينحدرون من أصول بدوية لازالوا يتعمدون المحافظة على طريقة التفكير التقليدية – مع ادخال بعض التعديلات الغير مؤثرة عليها لمجاراة الزمن الجديد- فتجدهم يبالغون في ممارسة العصبية (الحمية) القبلية عندما يتعلق الأمر بأي شخص يشاركهم نفس لقب القبيلة حتى و لو كان على خطاء. لي تجربة شخصية – بل تجارب – حول هذا الموضوع و سوف أقصها عليك حين نلتقي إذا أراد الله لنا أن نلتقي.

    تحياتي و أشواقي
    ليلة خميس

  2. 14 مايو 2009

    وعليك السلام وعليك منه الرحمة والبركة،،

    أعتقد أنهم يواجهون صدمة كبيرة مع المدنية الحديثة، ومن الصعب عليهم تقبل شروط المدنية، فمثلا يصبح قطاع حكومي بأكمله أشبه بحلقة من التخلف والسبب هو البدائية ورديفها البداوة.

    اسعدني جدا إقتناعك بهذه الحقيقة، فالحقائق دائما مؤلمة لأصحابها وأيضا لمن يسمعها، والبدو من طبيعتهم تصديق ما يناسبهم.

    البدو هم البدائيون في كل مكان، فجمال عبدالناصر كان فلاحا مصريا ، وقدم مصر والعرب لعالم الهزيمة.

    أعتقد أن هذه الحقيقة يمكن أن تمثل أحد أفكار التغيير الكبرى للمجتمع.

    ذلك التغيير الذي لم تقدر له المليارات ولا الخطط التنموية الكبرى.

    يشرفني مرورك ويشرفني أكثر أن نلتقي

    مع كل المودة

  3. 15 مايو 2009

    أما بخصوص الإختلاف معي يا صديقي

    فأعتقد أنك مصيب ، إنما وهذه للإستدراك، تنفي مسألة العنصرية في رفض البداوة، إذ يمكن للبدوي أن يتحرر من بداوته، فنحن لا ندعو لإقصاء عنصر بشري كما يفعل النازيون أو اليهود.

    إحترامي وتقديري لمرورك ،، وأتمنى أن تبقى دائما بالقرب ..

    ..