يندر في أي حضارة أن تزرع أمة بذور المعرفة والعلم والاختراع والاكتشاف ثم تأتي حضارة جديدة لتقطف تلك الثمار، ويندر أن تأتي أمة غالبة جديدة فتأخذ من الحضارات السابقة دون أن تقضي على فكرة تفوقها مثلما فعل المسلمون مع من سبقهم من أمم.
قياس محيط الأرض، وإثبات كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس، وأنها ليست مركز الكون، نظريات سبق بها أجيال من العلماء العرب في عمل جماعي وعبر دحض نظريات الإغريق، ومنهم أبن طفيل، ثم جاء كوبرنكس وجاليلة لإثباتها، منهج البحث العلمي لإيجاد الحقيقة تحدث عنه الإمام الغزالي في المنقذ من الضلال ثم جاء ديكارت ليحوله إلى منهج علمي مصنف ومرتب في مقال في المنهج. نظرية الجاذبية تحدث عنها عدة علماء عرب وهم من قال أولا أن لكل فعل ردة فعل مساوية لها في المقدار معاكسة لها في الاتجاه، ثم جاء نيوتن ليطور في هذه النظريات وكأنه المكتشف الأول. اختراع الطائرة أول من درسه في علم الميكانيكا وحوله إلى نظرية علمية بعد أن كان مجرد محاولات تخمينية كان العرب وأشهرهم عباس بن فرناس واستطاع الطيران قليلا، ثم جاء من بعده عدة علماء حاولوا تطوير التجربة، حتى جاء الأخوان رايت واخترعوا الطائرة بناء على فكرة المحرك البخاري. الكهرباء وقبل أن يخترعها توماس أديسون الشهير بالسرقة قدم العرب مجموعة من المحاولات عبر مواد كيميائية تسبب اشتعالا مؤقتا. معظم العلوم جاءت كاختراع عربي إسلامي أصيل ، كعلوم التعمية والكيمياء بعد تحويله من الخيمياء القديمة، وعلم البصريات على يد إسحاق بن حنين والضوئيات على يد أبن الهيثم وعلم الحيل والميكانيكا والتاريخ والاجتماع والفقه والشريعة والعقيدة والجبر والجراحة الطبية التي برع فيها الزهراوي واكتشاف الدورة الدموية التي سرقت فكرتها بالكامل، وعشرات العلوم الأخريات، مع تطويرهم الثوري والهائل لعلوم الرياضيات والفلك والطب، كاختراع الصفر والجبر وعمليات الضرب والقسمة والزائد والحاصل وجدول الضرب بعد أن كانت الرياضيات تعتمد على نظريات محدودة لمجموعة محدودة من العلماء مثل إقليدس. وكل ذلك يعود لابتكارهم للمنهج العلمي، الذي لا يعمل سوى بما يمكن إثباته، وذلك هو المنهج الذي حول الغرب إلى أمة علمية بداية من جاليلة وديكارت. وهو منهج دفع الأمة العربية لاختراعات هي الشكل الداخلي لأمة الغرب، الشراع المثلث والبوصلة ووجبات الغذاء الثلاثة والنظام الصحي اليومي، ووسائل النظافة والاغتسال والحمامات والنظام الأكاديمي للجامعات ومنهج درجة الدكتوراه الذي جاء نتيجة لمنهج التزكية العلمي العربي الإسلامي، والقواميس والمعاجم المخترعة عربيا، والقصص الموسوعية وتطوير الموسيقى وأوتار العود والقيثار والأدوات الأخرى، ووسائل الإرشاد بالطريق. وأكثر من هذا كله، مما نراه شكلا للحضارة الجديدة، كله ولد ونشأ من صميم الحضارة الإسلامية.
أننا كذلك لا نعرف نسبة الكثير من العلوم لأصحابها من العرب بسبب الجرائم الكبرى بحق التراث العلمي لحضارة الإسلام والتي ارتكبها الصليبيون في الأندلس والمغول في بغداد برمي ملايين الكتب في الأنهار والنيران، وذلك ما لم يقم به العرب تجاه الحضارات السابقة.
بعد هذه المقدمة التي لا نهدف بها إلى التمجيد بل إلى البحث العلمي والعودة للسؤال القائم، وهو لماذا لم يكمل العرب الطريق بدلا من رمي تلك البذور للغرب؟
هناك عدة معطيات للأجوبة، وهي كما أرى تتمحور في الغالب حول هذه الأسباب التاريخية التالية :
(1) الفتنة العلمية : هو الحدث العلمي الأبرز، وتبلور عبر حبس المأمون ومعتزلته لأحمد بن حنبل، وهو حبس لا يرجع لأسباب علمية خالصة، بل يرجع لأسباب سياسية تتعلق بكلمة الفريق الناجي. كان ذلك الحبس والتعذيب يمثل بداية حبس العلماء وأول حادثة لمصادر الرأي.
(2) تحالف المتصارعين العرب مع قادة الصليبيين: وهو الصراع الداخلي الذي بدأ في المغرب العربي مع ملوك ما بعد الدولة الأموية، وبدأ في المشرق العربي مع الدولة العباسية. وبدايته الحقيقية كانت عبر تعاون هارون الرشيد مع الملك شارلمان، على الدولة الأموية. وهو تعاون ساعد على بقاء الفكر الصليبي الغربي، ولم يسهم في تحويل الغرب للإسلام.
(3)حروب الصليبيين والمغول: انتصر العالم الإسلامي على المحتلين ولكنه خسر القليل من الأراضي كالأندلس، غير أن نصره على المغول أعادهم مسلمين إلى بلدانهم أما نصرهم على الصليبيين فأعادهم سارقين للنهضة العلمية التي أشعرتهم بالنقص والدونية. تلك الحروب أنهكت العالم الإسلامي حتى فقد قواه في الإنتاج العلمي، فحكم المسلمين جماعة من البدو الترك والمماليك المعادين للعلم، والقساة على حرية الرأي. لم يصلوا إلى الحكم إلا كجنود رعاة اخرجوا المحتل الغازي من ديار الإسلام.
(4) تدمير التراث العلمي: حرق ملايين الكتب في الأندلس، ورميها في أنهار العراق من قبل الصليبيين والمغول، فأصبحنا نسمع عن 300 كتاب للكندي لم يصل لأيادينا منها سوى بضع منها، فضلا عن التراث العلمي الغير محقق في مكتبات ومتاحف العالم الغربي والإسلامي والتي تصل إلى عشرات الآلاف ومنها على سبيل المثال مخطوطات لابن سينا الذي لا نستطيع أن نقرأ من كتبه سوى ما لا يتجاوز ستة أو سبعة كتب.
(5) القضاء على نظام الشورى: قد يستغرب القارئ إذا قلنا أن معاوية بن أبي سفيان يعتبر أهم أسباب القضاء على الإنتاج العلمي رغم أنه مؤسس الدولة الأموية، والسبب أنه قضى على الشورى بعد الاتفاق مع الصحابة ومع أبناء علي رضي الله عنهم بنقل الخلافة من بعده عبر الشورى، غير أنه قبيل وفاته وضع أبنه يزيد خليفة لحكمه، مما أصاب الجميع بالدهشة والذهول. في ذلك العصر لصدر الإسلام بدأت فكرة الشورى عبر سقيفة بني ساعدة، وكان محتما لها أن تتطور ثقافيا وربما لتتحول إلى وسائل مادية اقتراعية تصويتية على أيدي العرب وهم في بداية تطورهم الحضاري كأمة مثقفة وراقية. تلك الحادثة وحدها لمعاوية صنعت من المجتمع المسلم مجتمعا قابلا للاستبداد السياسي، ولولا الاهتمام اللافت لخلفاء الدولة العباسية بالعلم كإنشائهم لبيت الحكمة، وهو اهتمام يرجع لأسباب سياسية أيضا، لما قدر لهذه الأمة أن تكون دولة منتجة للعلم. إذ أن قضاء معاوية بن أبي سفيان على فكرة الشورى مهد لقابلية العرب للاستبداد وذلك بعد أن حكم البدو دول العالم الإسلامي تحت سوط السلاح، وذلك أيضا ما أهل إلى انتصار الغرب وتفوقه.
يقول المؤرخون الغرب وينقل ذلك بعض العرب، أنه لم توجد أمة بنت تفوقها وقدرتها في الغلبة الحضارية على العلم مثلما فعل الغرب، غير لذلك صدق نسبي، لأنه لم تنشأ أمة اهتمت بالقراءة وعشقت العلم مثل المسلمين، ولم يصل حتى الإغريق الذين اهتموا بالفلسفة إلى ذلك المستوى الجماعي بعد كانت الفلسفة مجرد اهتمام خاص بالنبلاء والطبقات القريبة من الحكم وهي فلسفة تحقر العمل في كل الأحوال. كما أن العلم وحده لم يكن سبيلا للتفوق الحضاري، فالقرآن الكريم والإسلام كان أهم وسيلة للتفوق الحضاري، وهو كان البوابة التي صنعت تصورات العرب للتفوق العلمي، والمسلمون لم يتخذوا العلم وسيلة للتفوق على الآخرين، بل كان وسيلة لكشف العالم والتحكم بمقدراته، وما يثبت ذلك هو النزاهة العلمية.
هذا الدرس يشير إلى أن عودة الغلبة الحضارية للمسلمين لا تنبني على الإسلام وحده بل على العلم والإسلام متوازيين في طريق واحد، وهو ما يشير إلى نظرية (العلم، الثروة، القوة)، لأن الثروة والقوة هما امتداد للعلم.
يمكننا تقدير عمر الإنتاج الحضاري بحوالي 500 عام، أعلن بداية انتهاءه مع الإحلال الاستيطاني الصليبي للأندلس.
لنغير السؤال ، وهو كيف نعيد قطف الثمار المتبقية من البذور القديمة، وكيف نعيد زراعة الأرض ببذور غير شيطانية.
أحد الوسائل تكمن في إعادة فهم التراث الحضاري للمسلمين، والعيش في تساؤلات مستمرة للمسلمين، والإجابة على تساؤلات كامنة للغرب، وإعادة الإجابة على تساؤلات أعتقد الغرب أنه أجاب عليها. فمازال التاريخ مفتوحا وفرانسيس فوكوياما مجرد إنسان جاهل بالتاريخ الحقيقي للبشرية، غير أنه ينتمي لحضارة منتصرة في أدواتها وفي تنظيمها العسكري والعلمي والاقتصادي. وهو نصر نحن أولى به، يمكن لنا أن نعيده إلى مصادره من جديد.

شكرا ماجد لانك تناولت هذا الموضوع صدقت في قولك أن تزرع أمة بذور المعرفة والعلم والاختراع والاكتشاف ثم تأتي حضارة جديدة لتقطف تلك الثمار، ويندر أن تأتي أمة غالبة جديدة فتأخذ من الحضارات السابقة دون أن تقضي على فكرة تفوقها مثلما فعل المسلمون مع من سبقهم من أمم.
وانا فسرت هذة النقطة ان سبب تطور الامم الغربية كان بسبب نجاحات المسلمون التي حققوها خلال القرون الفائتة
ولكن ماذا نقول للصمت العربي ………….. وشكرا
يا أهلا بك يا أنور تثري المدونة بقلمك وروحك الجميلة
أنت ذكرت
(يمكننا تقدير عمر الإنتاج الحضاري بحوالي 500 عام، أعلن بداية انتهاءه مع الإحلال الاستيطاني الصليبي للأندلس. )
طيب مالذي تغير
يعني لو نظرنا إلى تاريخ الإنسان على وجه الأرض من آلاف السنين
رغم تعدد الحضارات و تعدد الدول طوال التاريخ
إلا أن البشرية لم تتقدم
أي أن حياة الناس لم تختلف كثيرأ طوال آلاف السنين
فالحياة في عهد الفراعنة هي تقريباً نفس الحياة في العهد الروماني و هي تقريباً نفس الحياة في عهد هارون الرشيد وهي تقريباً نفس الحياة في عهد صلاح الدين الأيوبي
مع اختلافات بسيطة جداً لا تكاد تذكر
ثم جاء التطور بشكل سريع و متلاحق في قرابة 300 سنة أو 500 سنة كما ذكرت
و هي فترة قصيرة مقارنة بآلاف السنين السابقة
مالذي جعل الانسان ينهض كل هذه النهضة العلمية المفاجئة ؟
أبي أسمع وجهة نظرك في الموضوع
سؤالك حاول التصدي له عدد كبير من الفلاسفة، وبتباين كبير، فهناك آراء كثيرة أهمهما رأيين، من يشير إلى دور إختراع الآلة أما الآخرون فيسفرونها تفسيرات أعمق بربطها بطبيعة الفكر الأوربي.
وجهة نظري في الموضوع ليست ثابتة، فهناك عدة معطيات سببت هذه النهضة الخرافية والسريعة، منها إختراع الآلة، أما العقل الاوربي فهو فعلا كان حيويا بصورة مدهشة تتفوق على حيوية كل العقول الحضارية المختلفة، بغض النظر عن هزالة أو عظمة ذلك الفكر الذي سيطرت عليه في مراحل متعددة فكرة الداروينية الغريبة جدا والتي تحمل سلبيات أكثر مما تحمله من إيجابيات.
ولتلك الحيوية دور كبير في النهوض، إذ لم يكن الغرب بلسان واحد كما هم العرب أو الهنود أو الصينييون، بل بعدة ألسنة سبتت ذلك التنوع والتباين الذي ساهم بإثراء الفكر الغربي تحت مظلة الدين الواحد والثقافة المشتركة التي وحدتهم بالمنجز اليوناني.
سبب آخر أعتقد أنه أحد أهم الأسباب التي طمسها التاريخ الغربي بسبب الحقد الحضاري القديم هو دور العرب، فقد كانت الإنجازات كما رأيت في المقال أو كما يمكن أن تصدم في كتاب (شمس العرب تسطع على الغرب) كانت تلك الإنجازات غير عادية ومعظمها كانت للمرة الأولى في التاريخ.
جاء الغرب بعدها وجد الكثير من المنجزات العربية جاهزة أخذها وتجاهل الأمانة العلمية لأسباب تتصل بالصراع ثم قام بحلمة فظيعة بالتغريب والتنصير ثم أبدع بدوره، أخترع بعدها الآلة ، مجدها وهرب إليها وخسر الروح ومعطياتها مما جعله يتمزق ويتصارع ويبحث عنها عند الشرقيين (كتاب التحولات والكونفوشية والطاوية) الأخير كتابه كان الأكثر مبيعا بعد الإنجيل حسب المصادر الغربية.
بإختصار أعتقد أن دور العرب لم يكن عاديا في تحقيق هذا الإنجاز ثم إختراع الآلة ثم اليقظ العقلية الكبيرة التي صاحبت التنوع الفكري الغربي.
مودتي لك أبو عبد الله، سعدت بالحوار معك.
حاولت مراسلتك على البريد ، ويبدوا أنه لا يعمل،
أعتذر عن تأخري في التفاعل مع تساؤلك القيمة، بسبب وعكة صحية ألمت بي والحمدلله،
في النهاية نحن نفكر بالتساؤل ونبحث عن أجوبة مفتوحة لا مغلقة
كي تستمر عقولنا في الحياة
مودتي لك
أخي ماجد
اختراع الآلة كان سببا وليس نتيجة
أي أنك لا تستطيع أن تقول أن النهضة في الغرب كان سببها اختراع الآلة
مالذي جعلهم يخترعون الآلة دون غيرهم من الشعوب و الأمم ؟
أما فضل العرب على الحضارة الغربية فهذا سبب مضحك و مبكي في الحقيقة
لو رجعت إلى تراثنا تجد أن هؤلاء العلماء الذين نفخر بهم
في الغالب مزندقين
و مازلنا نشكك في عقائدهم
ومع ذلك نفخر بهم
و نجزم بأن الغرب يتآمر علينا بانكاره لفضل علماؤنا عليهم !
النهضة العلمية و الصناعية في أوربا أخي الكريم
جاءت نتيجة لنهضة فكرية
وهذا هو الشيء الذي لم تستوعبه المجتمعات المتخلفة
فتتوهم أنها اذا نشرت التعليم ستتطور
وهذا غلط
الدول العربية نشرت المدارس و الجامعات منذ سنين
و لدينا حملة شهادات في كل التخصصات العلمية
و مع ذلك بقينا متخلفين
النهضة الفكرية في الغرب حدثت لأنهم
فعلوا آليات النقد
فتحوا المجال لنقد نقد كل شيء و كل شخص
و بدون هذا النقد لن يتطور أي مجتمع
وهذه حقيقة لا ينكرها إلا مكابر
انظر إلى خريطة العالم
تجد أن المجتمعات التي فتحت باب الحريات و سمحت بالنقد
هي المجتمعات التي تطورت
أما المجتمعات أو الثقافات المنغلقة التي تتوهم الكمال
و تزعم باكتفاءها عن غيرها بقيت متخلفة
و ستبقى متخلفة إلى أن يدركوا أهمية الانفتاح الثقافي
عفوا
اخترع الآلة كان نتيجة وليس سبباً
هم فعلوا آليات النقد بعد صراعات مريرة وصلت لإعدام جاليلة والحرق الجماعي في محاكم التفتيش هاذين لم يحدثان في العالم الإسلامي المتحضر، أقوى ما حدث كان الجلد وبدأ مع جلد أحمد بن حنبل. الغرب أبدوا في الفلسفة كانوا في القرون الوسطى لا يمكلون تراث يبنون عليه، مسألة أنهم عادوا لتراثهم اليوناني فقط دون فضل العرب فهذه أيضا مقولة مزيفة، لم يقرؤا أرسطو وأفلاطون سوى بتعديلات وتطويرات العرب الكثيرة كتاب الكون والفساد الذي كان يحوي نظريات جيولوجية طوره ابن رشد وعدد من العلماء، كتاب أخوان الصفاء كان أيضا يحوي معلومات جيولوجية لا زال بعضها صحيحا حتى اليوم، ولكنناي لا نرجع سوى لمراجع الغرب لأننا لم نعد نثق بتراثنا الذي سبق بالكثير من النظرات، مسألة أن الغرب متآمر فهذه ليست مطلقة، ولكن الحقيقة أمامنا لماذا لا نصدقها، أن الكنيسة تحديدا كانت تكره الهوية العربية، حسن الوزان أصبح ليون الإفريقي وتنصر بالقوة وكتب لهم كتاب (وصف إفريقيا) في الجغرافيا العسكرية رغما عنهوإلا قتلوه وأعدموه ثم عاد للمغرب ومات عربيا مسلما، صدقني أخي الكريم والجميل أراك مجحفا جدا بحق الحضارة الإسلامية. لست هنا لتمجيدها لاسباب عاطفية بل لاسباب منطقية وعلمية.
ثم الأهم وهو الرد على سؤالك، لم أقل أبدا أبد أن الآلة أحد أسباب نشوء النهضة الغربية، ولا توجد أي إشارة لذلك في ردي أخي العزيز، ما قلته كان جواب على سؤالك المحدد وهو :
لماذا هذا التسارع؟
ربما كنت تقصد أنت أخي: لماذا هذه النهضة، ولكنني فهمتها حسب السؤال لماذا بسرعة نهض الغرب؟
هذا غالبا سبب الخلط.
وعودة للإجابة مرة أخرى على قضية التسارع لا السبب، أن الآلة كانت أحد الأسباب فعند إختراع الآلة البخارية تم وبسرعة خيالية إختراع القاطرة والسيارة والطائرة والسفينة البخارية، وعشرات الإختراعات الأخرى وكلها بنيت على إختراع الآلة البخارية.
هذا كان جوابي.
تفعيل آليات النقد كان موجودا في الحضارة الإسلامية ولكنه كما تفضلت مزج بالتطرف، العقل العربي الإسلامي ابتلي كما الغرب بالتطرف والقتل، إننا نرتكب جريمة كبرى بتمجيد الغرب المطلق عندما نراهم وكأنهم طوال تاريخهم وهم أحرار في آرائهم.
لم تبدا الحرية بشكلها الحقيقي سوى مع بداية القرن العشرين، حتى الملاحدة في القرن التاسع عشرلم يكونوا ليصرحوا بأفكارهم الإلحادية بحرية مطلقة كما فعل فلاسفة العدم كجان سارتر الملحد الوجودي (القرن العشرين)، بعكس كيرجارد النصراني الوجودي (أوائل القرن التاسع عشر) الذي كان متدينا خالصا.
أو لنقل أن الحرية بدأت مع إعلان حقوق الإنسان في فرنسا في القرن الثامن عشر ثم اتجهت للحرية الثقافية بالتدريج حتى وصلت إلى ما وصلت إليه.
نعم قد نصل إلى نتيجة تتعلق بالتطرف الديني.
طبعا قصص التطرف الديني في التراث الإسلامي بشعة ومزعجة ولكنها تعبر عن طبيعة مجتمع كامل، فحرق الكتب مثلا كانت عادة موجود في كل مكان في العالم في الصين وفي الغرب وفي كل مكان.
ولكن التطرف العربي لم يصل إلى حدود الإعدام أو حرق الأجساد كما فعل المجرمون من الغرب.
نعم نحن لدينا مشكلات ولكن أن نغفل كل ذلك الإنجاز العربي الذي لم يكن سهلا بل كان مدهشا خارقا للعادة، فتلك جريمة بحق حضارة عظيمة جاءت بأولويات كثيرة، ذكرت بعضها في المقال.
كما أنك عربي وأنا عربي، وكي تنهض الأمة علينا أن نطور في ثقافتها وأن نقاومها بدون تطرف، وبحب للتراث الإسلامي بمعرفة لعيوبه وبمعرفة قريبة لمميزاته، وعلينا أن نقبل بحكم الإسلام كدين يفهمه الجميع.
نحن بحاجة يا عزيزي لإعادة تطوير مفاهيمنا للإسلام، وقد يأتي شخص نزق ويقول أنك تقول أننا لا نعرف ديننا، والجواب أن هناك فرق كبير بين الدين كصلاة وعبادة وزكاة وغيرها وهذا معروف منذ نزول الرسالة، وبين الإسلام كتشريع دنيوي شامل، وهذه الأخيرة هي المعضلة التي نعيش.
أعلم أن الرد مشتت قليلا ولكن لدي عذري ، أتمنى أن تكون النقاط واضحة
مودتي وتقديري أخي الكريم.
نقاط سريعة حول الموضوع
* الشعوب لا تتطور ولا تتقدم إلا بتفعيل آليات النقد سواء كان في تاريخها حرق جماعي أو لم يكن .
* الدول التي تجبر شعوبها على منهج فكري واحد لن تتقدم لأن الناس لابد أن يكونوا مختلفين .
* الخوف على الثقافة من النقد هو في الحقيقة دليل على ضعفها و هشاشتها لأن الواثق لا يخشى النقد .
* العلماء المسلمين من أمثال ابن رشد و ابن سينا و الفارابي لم يكونوا نتاج الثقافة العربية بل هم نشاز على ثقافة مجتمعاتهم في ذلك الوقت .
شكراً لك .
يا عزيزي الحوار كان معك ثريا جدا، وأنا أقدر لك ذلك، فقد استفدت كثيرا، والإختلاف لا يفسد للود قضية، وهذه النقاط لا يوجد فيها ما أعارضك عليه، ولكن بخصوص النقطة الثالثة، فالهشاشة تكمن في الثقافة الراهنة بكل إفرازاتها، ولكن الثقافة القديمة ليست بذلك الوهن، إنما هناك أمر بغاية الأهمية وهو أن ثقاتنا القديمة بحاجة لمن يدعمها عبر آليات النقد الفعال وليس الهدمي الذي يجعلها مجرد شر، وما حدث بيننا من إختلاف وجهات النظر بين اليمين واليسار ودون إنغلاق أو تصنيف أو شخصنة، أعتقد أنه ظاهرة صحية أتمنى أن تسود.
مودتي وتقديري.
شكراً أخي ماجد على إتاحة الفرصة
و كما قلت الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية
و هذه هي مشكلتنا في ثقافتنا العربية
فيعتقد الشخص أن الهدف من الحوار هو إجبار الطرف الآخر على رأي معين و حجره في زاوية ضيقه
و هذا خطأ
و أيضاً تجد أن بعض الناس يكابر و يتمسك بأفكار أثبتت التجارب عدم جداوها
و يعتقد أن تغيير رأيه أمر معيب !
أكرر شكري على أدبك في الحوار و حسن خلقك .
أهلا بك مرة أخرى، وأتمنى أن يستمر التواصل، مودتي