حالات متطرفة في النقد

الثقافة العربية

ما أجمل التعلق بالنفوس العظيمة، يقول الحديث بهذا الصدد : (الأرواح جند مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف). للإشارة إلى نفوس إما منكرة أو مستنكرة، نشاهدها في مشهد الخلاف العربي والسعودي خاصة، وتواجهني أحيانا في ما أكتب.

 

 

من حق الناس أن تختلف، وتلك سنة الله في خلقه، ومن حق الناس أن تستنكر ما يخالف مبادئها ومعتقداتها، غير أن أدبيات الاختلاف كاحترام جهود الآخرين هي المعضلة التي يعاني منها البعض. تلك الأدبيات تنشأ إما من التربية كما يحصل لمجتمعات مدنية غربية، غير أنها تنشأ في الأساس عبر مجهود ذاتي نجبر عنده ذواتنا على احترام المخالفين.

 

 

هذا المجتمع تغلب عليه الإقصائية ورفض الرأي الآخر، واعتبار النقد جهاد فكري بالمنطق الإرهابي، بالعمل على مبدأ الآثم دانتي إليجيري : (الجحيم لمن يلتزم الحياد حينما تكون القيم في خطر) قالها في عصر الظلمات الغربي الذي يشبه أخلاقيا عصرنا العربي الراهن.

 

الحالة الأولى : صاحب النقد الهدام :

 

يملك البعض من دناءة النفس ما يفوق كل وصف، كالذي يمارس النقد الهادم والذي يصل إلى محاولة تسفيه الكاتب وتجهيله وكأنه العبث، في نقد آثم خسيس مأفون لا يريد الخير للآخرين، بل يريد لنفسه الدنيئة أن تبرز على حساب الآخرين. حتى أسوأ الكتاب فكرا لا يستحق مثل هذا النقد.

 

أحد المنطلقات النفسية لهؤلاء هي الغرور وحب الظهور على حساب الآخرين، وسبب آخر هو أن من لا يعمل أو لا ينتج أو لا ينفع الناس، لا يحب لغيره أن يعمل إلا بما وافق هواه.

 

 

الحالة الثانية : المحلل النفسي :

 

قام فرويد بتفسير سلوك أوديب الشاذ بإرجاعه إلى عقدة الحب الجنسي للأم، هذا التفسير المنحرف لطبيعة النفس البشرية يرجع لتصورات الإنسان عن ذاته، لا تستطيع أن تحكم على الآخرين نفسيا خارجا عن إطارك النفسي. وهذا ما يقوم به البعض عند انتقاد بعض مواضيعي، بإدعاء فهم نفسية الكاتب وكأنه دخل في جوفي وعرف ما في قلبي، وكل ذلك من مقال واحد أو حتى عشرة، دون أن يعرف أي شيء عن حياتي أو أهدافي وتصوراتي الشخصية، وكيف أعيش؟.

 

يرجع ذلك في الغالب لعجز هذا المحلل على هدم الموضوع، فيلتجئ للتحليل النفسي كمعول هدم فعال كما يعتقد، ظانا بأنه حجر الأساس للموضوع. مع الإشارة إلى أن هذه الظاهرة جاءت تقليدا لظاهرة غربية قبل عصر الحداثة، برز فيها سيجموند فرويد ثم جاء كولن ولسن ليقول في (اللا منتمي) عن فرويد بأنه مجرم ينتقد الأسماء الكبيرة ليظهر على أكتافها. بعدها تجاوز الفكر الغربي هذه الظاهرة وأنتقل لمرحلة جديدة ظهرت  فيها البنيوية والتفكيكية، فانتهت تلك الظاهرة بشكل رسمي.

 

 

 

الحالة الثالثة : المزايد :

 

كل من يكتب أو يتحدث أو يعمل هو يعبر عن ذاته وعن إطاره الثقافي، تتعدد الأسباب وتظل هناك القواسم المشتركة بين الجميع، ومنها حب الدين أو الوطن أو العالم. دائما ستجد من يريد أن تظهر للناس وكأنك الشر وهو الخير، وذلك أيضا بمبدأ الظهور على حساب الآخرين. فإذا دافعت عن وطنك بنقد أحد المظاهر التي تعتقد أنها مسيئة، جاء ذلك المزايد ليظهرك عدوا للوطن، بل وقد يطال دينك وأخلاقك. المزايدون هم أكثر حالات النقد المتطرف، فما أسهل البروز على أكتاف الآخرين، وللأسف ينجح الكثير في هذه الحالة.

 

 

الحالة الرابعة : الشتام اللعان المكفر :

 

شر الثقافة هي ثقافة العوام، كما قد قيل : شر الشعر هو شعر العوام، والشبكة الدولية أتاحت للعوام التفكير في القضايا الكبرى للأمة، وبدلا من تثقيف العوام وتعليمهم فقد انبرى كل جاهل ودون قراءة للنقاش بالحديث في قضايا المجتمع، وهو لا يملك إلا شهادة الثانوية أو أقل أو أكثر قليلا بما لا ينفع، ودون أن يقرأ كتابا واحدا في الشهر، ومن باب أنه حق للجميع.

 

مما يعود بنا إلى النظر لمشكلة الأمية الأبجدية في المجتمع والتي تقدر في إحصائيات مختلفة بما يزيد عن 40% في العالم العربي. مما يشير إلى أن النسبة المتبقية تربت على أيدي النسبة الأخرى، كما أن نسبا أكبر تجيد القراءة الكتابة ولكنها ليست من مخرجات التعليم العالي، بل إن هناك أمية مركبة تحمل الشهادات ولكنها لا تملك أدبيات الإختلاف.

 

هذا الإنسان البسيط في الغالب سوف يتوجه إلى السب والشتم والتكفير للمخالفين، والقدح في أخلاقهم وفي دينهم وفي معتقداتهم، بل والدعاء عليهم لمجرد الخلاف أو بحجة النصر لدين الله، وكأن الله تعالى ظالم مستبد بعباده. وذلك هو ما يتعرض له عدد كبير من الكتاب السعوديين الذين أسموهم دون علم بالليبراليين أو العلمانيين، أي أولائك الذين لا يحبون الدين ويسبون الشيوخ!

 

 

الحالة الخامسة : المزور :

 

تعمل وتكتب وتبدع، بل وقد تخترع النظريات، وتناقش مسائل نادرة، بل وقد تستوفي كافة الشروط الموضوعية لكتابة المقال الناجح، وغالبا ما تسمع المديح والشكر والتقدير من أقلام ناجحة وعقول نيرة. ثم يأتي أحدهم وخاصة ممن يقرأ كثيرا ليقول لك ما يشبه : أنت لا تجيد الكتابة، اذهب وتعلم كيف تكتب!!

 

تبرز هنا أيضا قاعدة الظهور على أكتاف الآخرين، ومثل هذا النقد تعرض له كبار الكتاب في العالم، بل كل الكتاب دون إستثناء، حتى الرسول عليه الصلاة والسلام وهو الذي قد أوتي جوامع الكلم فقد تعرض للتجهيل والتسفيه من أعداء الخير الإنساني. وهو ما عانى منه كل المبدعين وتحدثوا عنه: مما حدى بأحدهم ليقول لأحد الصحفيين بعد أن سخر من كتابه قائلا له : كتابي كالمرآة ليست مشكلتي إذا نظرت إليه فوجدت حمارا.

 

رسالتي إلى الأخوة المبتدئين في عالم الكتابة : لا عليك، اصعد على أكتاف هؤلاء، فهم من يجعلك مهما دون أن يعلموا، وهم من يلهمك في طريق الكمال.

 

تقول الرواية : أن العقاد جاءه أديب ناشيء يشكو له ظلم الصحفيين وهجومهم على شخصه الذي تجاوز نقد أفكاره، فأخبره العقاد بالعودة باكرا مع تلك الصحف التي تهجوه، ثم عاد الأديب ليخبره العقاد بالعودة مرة أخرى في يوم غد، وتكرر الأمر لعدة أيام، حتى قال العقاد للأديب : ألقي بها على الأرض فوق بعضها البعض وإصعد عليها بكلتا قدميك، فعل الأديب الشاب، فقال له العقاد : أنت تعلو بقدر ما يوجه لك من نقد.

 

هذه الحالات المتطرفة للنقد، تجبرنا على الصبر والتحمل، وهي التي دفعت الكثير من العقلاء للخروج من المشاركة في المنتديات العربية على الشبكة الدولية. وهي التي انساق لها البعض وأستسلم فركب الموجه. وهي التي تدمر بكل ما فيها من شر وعبث ورعونة، بناء الفكر العربي، وتحطم أقلاما ناشئة كان لها أن تتبوأ صدارة الفكر.

 

هذه الحالات المتطرفة للنقد، ترجع للتربية والأخلاق والظروف النفسية المعقدة التي يعيشها أصحابها، وتعبر عن عدم قدرتهم على مواجهة الناس بحب ومودة وصبر.

 

الحمدلله على كل حال !!

 

 

 

 

 

  1. جرح

    قرأت لك بالشبكة .. ومن أحد الزملاء حصلت على مدونتك

    طرحك يستحق المتابعه يا ماجد واصل ..

    تحيتي .. جرح

  2. ماجد الحمدان

    كم شرفتني بزيارتك الجميلة، لديك قلم أحبه وأحترمه، وشكرا جزيلا على تشجيع قلم مثلك :)

  3. خالد بن رشيد

    قبل قليل زرت مدون جميله لشاب سعودي رائع ..وصدمت من أحد التعليقات والذي لم يترك مسبه ولا منقصه الا والحقها بالكاتب الشاب حتى استخدام بعض الألفاظ الخارجه عن الحياء والجارحه للذوق السليم والعجيب بأنه يبرر ذلك الهجوم بالدفاع عن ” المشايخ ” وكأن المشايخ قد أصبحو من الضعف بحيث يحتاجون لمن يذود عنهم
    قد يكون ذلك الشاتم المستهزئ من العامة الذي عمي عليهم ولكن المحزن عندما نجد الآفه تفت في عضد الخواص والنخبه  

  4. ماجد الحمدان

    هذا الشتام يسيء للدين الإسلامي وللمشائخ، هؤلاء أصحاب فكر مسبق مبلور تم إغلاقه، لا يستوعب التغيرات الطبيعية للناس والظروف.

    بهذه الصورة سوف نجد تيار متطرف يسيء للإسلام بشكل مباشر، نحن ابتلينا عزيزي خالد في ثقافتنا العربية والسعودية بأمثال هؤلاء.

    وهم أول من أساء للإسلام قبل متطرفي الملاحدة والنصارى واليهود.

    بخصوص عموم البلاء على النخب فذلك لسبب بسيط وهو فقد المرجعية الذاتية الثقافية الراسخة.

    الضعيف دائما يحتاج لكل أدوات العنف اللفظي وإذا أمكن التجأ للعنف الجسدي المتمثل في ذروته بالإرهاب.

    ما زال المشوار طويلا وشاقا :)