العربية بين الموت وإرادة الحياة

يقول أحد الأصدقاء اللغويين بأن اللغة العربية ميتة، هذه الحقيقة تصيب البعض بغضب الحماسة الدينية والقومية، رغم أنها بنيت على المبدأ اللغوي العلمي الحديث، اللغة الحية هي اللغة التي يتحدث بها سكانها، ونحن اليوم في قمة التخلف العلمي واللغوي.

 

لم يحفظ اللغة العربية من الزوال إلا القرآن الكريم ثم الحديث الشريف ثم كتب التراث، ومع ذلك فلا مناص من إحياء هذه اللغة إلا بإثرائها المدني، وليس بحبسها في أبراج عاجية متحفية.

 

لقد جاء جمال عبد الناصر بالقومية العربية ففرض اللغة العربية كلغة أساسية أولى، وتأسس المجمع اللغوي العربي الذي أخطأ كثيرا رغم أعماله في إحياء التراث العربي. قامت الدول العربية الأخرى وخاصة السعودية وسورية باعتماد هذه اللغة بقوة السياسة، غير أن مصر استسلمت بحكم الدعوات العامية للهجتها العامية عندما قاوم عدد من كتابها محاولة فرض اللغة العربية منهم سلامة موسى والشاعر العامي محمد نجم.

 

أما السعودية وسوريا فلم تظهر فيها مثل هذه الدعوات بصورة مباشرة، ففرضت على الإعلام كلغة رسمية، وعلى القطاعات الحكومية، غير أنه برز في السعودية والخليج تيار يتحدث بالشعر الشعبي، بلهجة بدائية فقيرة وضعيفة ثقافيا، جوبه بهجوم صارخ من تيار الصحوة الديني ولم تنتصر بعده إلا قوة المال والسلطة، المدعومة من أمراء يحبون الشعر العامي، هم من ساهم في ترسيخ تلك البدائية الشعرية.

 

أولائك التجار والنافذين الأثرياء أصحاب الجيوب المالية الفلكية لم يكن لهم فضل على حركة الثقافة بأي صورة، رغم وجودهم في الصف الأول لنهضة الأمة أو تراجعها.

 

مع ظهور الخصخصة وعصر الشركات متعدد الجنسيات ، ظهرت شركات تنافس لاستقطاب العامة بلغتهم العامية السهلة كما حدث في مجال الاتصالات في السعودية، لم تكن هناك سياسات قديمة مفروضة على هذا القطاع. فخضعت الشركات الحكومية السابقة لشروط السوق الحديثة، وبدأنا من جديد لهذه الأسباب ولغيرها نخسر سلطة اللغة العربية الفصحى.

 

كنت ولا زلت أستعين في الحوار العامي ببعض الألفاظ العربية الفصحى دون مبالغة، كان لذلك لذة وحلاوة على اللسان، فهي لغة جمالية ساحرة، وقادرة على التعبير في منظومتها اللغوية عن تعقيدات الفكر البشري بصورة تفوق اللهجة العامية الفقيرة.

 

عندما أقارن هذا الفقر العامي بذلك الثراء في التعبير اللغوي باللغة الإنجليزية كنت أحزن على اللغة العربية المحبوسة في التراث، فأنت تستطيع بحكم الواقع أن تعبر عن الكثير من المعاني باللهجة الإنجليزية تفوق تعبيرك باللهجة العامية العربية.

 

أحد المشكلات التي تواجهها اللغة العربية هو التظاهر بمعرفة اللغات الأجنبية، فبدلا من استعانة المثقف بكلمة الغيبيات أو ماوراء الطبيعة يقول (الميتافيزيقيا)، وبدلا من استعانة الشخص العادي بكلمة  حاضر أو حسنا أو تم، إذ تسمعه يستعين باللفظ الأجنبي المرادف (أوكيه).

 

 

 

 

لا تستطيع السعودية أن تشكل أمة عربية قوية وحدها ، ولا مصر ولا سوريا، فإذا لم ندرك أننا في قارب واحد بعرق واحد بثقافة مشتركة واحدة بدين واحد دون المذهبيات التي ضاقت بنا على الأرض، فلن تكون لنا في المستقبل سلطة سياسية واحدة توحد الجهود.

 

ليست بالضرورة أن تكون السلطة هي دولة الخلافة، يمكن لها أن تكون دول عربية مشتركة في نظام سياسي فاعل ليس كنظام جامعة الدول العربية العاجزة عن حل المشكلات الأساسية. هذا النظام يأتي استجابة لأفكار مثقفين تنويرية وعقلانية، ثم يأتي السياسي البطل من وحي الأفكار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إذا كيف تتطور العربية؟

جوبهت أيضا كل محاولة للإبتكار في اللغة العربية بالرفض كما هي أي أمة رافضة لحركة التغيير دون تقديم البديل، في نفس الوقت الذي يعجز فيه الرافضون عن تطوير اللغة فبدلا من (ساندويتش) قالوا (شاطر ومشطور وبينهما شطيرة) لتصبح حجة للذي في قلبه ضلال.

 

أبرز إنجازات أهل اللغة المشكورين على أعمالهم تركزت على قضايا إحيائية زمنية وغير إبداعية، كإعادة إحياء التراث وتشكيل قواعد النحو كما كان يفعل آجروم وابن مالك وسيبويه. فاللغة العربية لا زالت بحاجة لشوط طويل من التطوير وهذه أحد الاحتياجات:

 

   – تنقيح المعاجم العربية القديمة من الألفاظ البدائية المتوحشة، وإثراءها بألفاظ جديدة في معاجم معاصرة.

   – الدعوة العامة لجميع الكتاب بالتدوين بعقلية الابتكار اللغوي والذي قد يستعين بالعامية مع تطويرها.

   – تطوير علماء الرياضيات والبرمجة لمواقع تثري المعجم العربي.

   – حب عامة الناس للفصحى واعتمادها كجزء من التعبير اللغوي.

   – تعريب المثقفين لإنتاجهم الفكري قدر الممكن.

   – رفض الشعر العامي وتجاهله، وتذوق الشعر الفصيح بذائقته الأسمى.

   – تجاهل المدونات والمواضيع المدونة باللهجة العامية كونها لا تحترم الثقافة العربية.

   – الاهتمام بقواعد النحو والصرف والإملاء واللغة السليمة في التعبير، وفي حدود الممكن.

 

أهم تلك الأفكار على الإطلاق هي الدعوة للكتابة بعقلية الابتكار اللغوي ، وهي دعوة عامة للجميع، تمثل المنهج المتبع في كل أمة طورت في ثقافتها سواء ما كان عند العرب القدامى أم عند الغرب الحديث. ثم تطوير علماء الرياضيات والبرمجة لمواقع تثري المعجم العربي تمثل مدونة للمعجم اللغوي، وهو مشروع لا زال حلما لم يتحقق بعد. ثم كتابة معاجم عربية جديدة مثلما فعل بطرس البستاني رائد نهضة تطوير اللغة العربية الحديثة، وكالمجهود الوحيد الذي قامت به مجمع اللغة العربية عند كتابته لمعجم الوسيط في عام 1965م في محاولة لم تتكرر منذ 45 عام هي مرحلة طويلة لتطور أي لغة في العالم، بينما نشاهد محاولات تدوين معاجم عامية تسيء للثقافة العربية.

 

وهذه الرسائل ليست موجهة لنخبة ثقافية متخصصة، بل موجهة لعامة المدونين والكتاب ومن يهمه شأن اللغة العربية، لقد دونت شخصيا على موقعي الشخصي، بذرة لمعجم شخصي أعمل على تطويره يوما عبر ربطه بالبرمجة في حالة إيجاد مبرمج مبدع، غير أنه معجم يهتم بالفلسفة الثقافية، ولو كنت أملك الوقت لكان قراري أيضا هو تدوين معجم لغوي عربي. والمسألة بسيطة عند من يملك الوعي كما كان يفعل معظم أصحاب المعاجم، ولكنها بحاجة إلى المثابرة في الجهد، بل بحاجة أولا لتنقية عقولنا العربية من أفكار عدم التوازن.

 

 

 

 

 

الصورة الأولى : إختراع النحو جاء بإشارة من علي بن أبي طالب لأبي الأسود الدؤلي حماية للغة العربية، والمشكلة أننا تعودنا على تدخل السياسي في التحديث.

 

الصورة الثانية :  محاولة لمزج الخط العربي بالخط الصيني، كل حضارة تصبو إلى التقدم، إذ هي تستلهم أفكار الآخرين بثقة فتطورها مع حفاظها على جوهر الهوية.

 

 

 

 

من هنا فقد أنتهى المقال، لتبقى أهمية الإشارة لجهود عربية جميلة، تهتم بشأن اللغة العربية ، لغة الفردوس الأعلى : 

 

ويكي عين العرب

رسالة الموقع : (يوفر ويكي عرب‌آيز مناخا للنقاش وتبادل الخبرات والمعرفة حول اللغة العربية ولسانياتها وما يتعلّق بدعمها والارتقاء بها في الحوسبة عمومًا والبرمجيات الحرة على وجه الخصوص. هذا الويكي عبارة عن مجال تشاركي مفتوح للجميع بدون قيود، لغتنا الجميلة بانتظار مساهمتك فلا تبخل عليها).

 

 

محرك بحث يملي

المزيد من أمثال مصممي هذا البرنامج ويبدأ العالم العربي الإسلامي في الإقلاع الحضاري، الاستكشاف الإبداع الابتكار ومترادفاتها هي دائما بداية النهضة الحضارية، وتحية لمصمم البحث والذي تنبني فكرته على كتابة كلمة البحث بالأحرف اللاتينية ثم إعطاء عدة خيارات مترجمة بالعربي، والهدف هو تمكين اللغة العربية على الإنترنت وتسهيل استخدامها. استفاد منه موقع النيل والفرات.

 

الجمعية الدولية لمترجمي العربية

من أهم مواقع الترجمة إلى العربية.

 

قاموس صخر

يحوي عدة قواميس عربية قديمة وحديثة ويقدم خدمات الترجمة المتعددة اللغات.

 

عتيدة

موقع الترجمة إلى اللغة العربية، والدعوة لحوار الحضارات.

 

مجمع اللغة العربية بالقاهرة

يحوي قرارات المجمع اللغوية، ويقدم عدة معاجم مفيدة كمعجم ألفاظ القرآن الكريم، ومعجم المصطلحات العلمية، ومعجم الأساليب

 

لسان العرب

يهيم رواد ومؤسسي الموقع بحب اللغة العربية وخدمتها.

 

أوزان

يشرح أوزان الشعر العربي مع أمثلة صوتية مسموعة من الشعر العربي المغنى.

 

تدوينة  أشرف فقيه

أعتمد حرفا جديدا في الكتابة مستلهم من الخط الفارسي بديلا لحرف (الجيم) بنطقها اليمني أو المصري العام، لحل مشكلة عدم الكتابة بشكل صحيح، غير أنه لا يمثل تطويرا لنطق العربية بقدر ما يمثل حل لمشكلة الكتابة. هذه محاولة جميلة لعقل عربي يتبنى التفكير الإبداعي، وهو عقل حي غير ساكن سكونا يصل إلى تقديس الثابت، ومحاربة المتغير.

 

مدونة العولمة واللغة

يهتم المدون محمد إدريس بتأثير العولمة أو الأمركة على اللغة العربية، إذ يكتب مقالات متنوعة وثرية في هذا الصدد.

 



إقرأ أيضاً:


شارك:
  • Twitter
  • Facebook
  • del.icio.us
  • Google Bookmarks
  • Digg
  • Print
  • email

عدد التعليقات: 12

  1. 21 أكتوبر 2009

    مرحباً بك أستاذ ماجد وأشكرك لتكرمك بالإشارة لدوينتي بخصوص حرف الگاف أعلاه.

    كما ذكرت فهناك نوع من الـ (تابو) أو المحظور بخصوص التجديد في اللغة وفي الموروث الثقافي ككل. ها أنت ترى أني وقعت في مطب الاستعارة من لغات أخرى :) لكن هذا ليس خطأ تماماً. والبعض يعتقد أن “الأصالة” تفترض النقاوة الكاملة ولا تستلزم الاقتباس والتمازج مع الآخر.
    اللغة العربية في معضلة حالياًَ أبرز مشاهدها هو تباعد الشقة بين الرسمي والشعبي فيما ينشر وخصوصاً تحت مظلة الإنترنت. حين تقارن كلام الجرائد بكلام المدونات مثلاً.. فأنت تقارن بين الثابت والمتحول فعلياً.. وهذا كلام يذكرنا بطروحات الحداثيين كأدونيس. وهي فعلاً صورة جلية لمعضلتنا مع الحداثة.

  2. ليلة خميس
    21 أكتوبر 2009

    كنت في أحد “السيمينارات” (و لا تطلب مني أن أعرب لك هذه الكلمة) حين قام أحد دكاترة قسم اللغويات و هو من حاملي الجنسية الإسرائيلية بتفجير قنبلة مفادها “أن اللغة العربية الفصحى هي لغة ميتة بالنظر لإعتبارات علم اللغة و مقاييسه”. لا أخفيك أنني و للوهلة الأولى تأثرت بنظرية المؤامرة و أبديت ممانعة لمثل هذا القول على اعتبار أن المتحدث يهودي إسرائيلي. و لكن بعد تفكير لم يدم طويلاً استطعت أن أفهم ما يرمي إليه. نعم تلك هي الحقيقة المرة “الفصحى لغة ميتة”. هل يوجد على وجه الأرض من يتحدث الفصحى قبل دخوله للمدارس كلغة أساسية مكتسبة من البيئة المحيطة؟ هل الفصحى هي لغتنا التي نستخدمها في حياتنا اليومية و بالتالي نورثها لمن بعدنا؟ هل نحن نكتسب الفصحى في المراحل الأولى من العمر أم نتعلمها في مراحل متأخرة؟

    للأسف إجابات هذه الأسئلة تجعلنا نتأكد أن الفصحى لغة ميتة و لكن القران و الأحاديث النبوية و بعض النصوص الأدبية مجتمعةً حفظت هذه اللغة من الإختفاء و الإندثار بشكل كامل و لكنها تظل ميتة على الأقل كلغة أولى.

    الدكتور الإسرائيلي له العديد من المعارك مع الإسرائيلين أنفسهم حيث أن ابحاثه تقوم على أساس أن اللغة المستخدمة في إسرائيل حالياً اسمها “اللغة الإسرائيلية” و ليس “العبرية”. و هو بذلك يقر بأن العبرية تعاني من نفس مشكلة العربية الفصحى و هو يدعي بأن العبرية الأصيلة قد إندثرت إلا من بعض النصوص الدينية و غيرها.

    ختاماً، لعل الأخطاء النحوية الكثيرة في مشاركتي الصغيرة هذه هي دليل على أننا نحاول إتقان لغتنا الفصحى و لم نكتسبها.

  3. Mohd
    21 أكتوبر 2009

    عندما كنت في الخامسة عشر من عمري كنت في مجلس نتناوب أطراف الحديث فيه وكانت اعمار الجالسين متفاوته بين الرابعة عشر و الثلاثين وكنت أحب في أي مجلس أن أشارك الجالسين الحديث وعندما أنطلقت بالحديث أردت أن اتحدث باللغة العربية فلما بدأت تذمر الجالسين وبدأ الاستهزاء بي حتى عاهدت نفسي أن لا أعيد الكرة .

    عزيزي ماجد :
    هل تتوقع أن المجتمع سيقبل بها ( وهم لم يقبلوا بالتقدم ومواكبة العصر ) ؟ وهل تتوقع أن المجتمع سيقرأ لزيادة المحصول اللغوي ؟
    ثم أي جهة برأيك ستتبنى الأمر ؟

  4. 22 أكتوبر 2009

    كم يسعدني تعقيبك أستاذ أشرف، إذ يكشف أن التفكير الإبداعي هو الخلاص من نسق العقل الجمعي الذي يقدس الثابت، وذلك التفكير الإبداعي هو نفسه الذي يسبب لنا الإزعاج والرفض وربما الهجوم وإتهام أصحابه بمعاداة الهوية. كما حدث معك وكما يحدث مع كل من يرفض أي تغيير، رغم أن التغيير حتمي إما أن يحدث بسلطة الواقع وإما أن يحدث بإرادة الإنسان.

    شكرا جزيلا لك :)

  5. 22 أكتوبر 2009

    جميلة جدا مشاركتك صديقي العزيز ليلة خميس، وإسرائيل ما كانت لتنهض علميا لولا أن هناك من يحمي ديمقراطيتها من متطرفيها، ثم يستعين بهؤلاء المتطرفين فقط في مسائل الإستيطان والإحتلال والإجرام. أما المشاكل النحوية فحدث ولا حرج، فأنا كتب العنوان نفسه خطأ ، حيث نسيت إضافة البين كي يكون العنوان (العربية بين الموت وبين إرادة الحياة). ولذلك أخترعت وظيفة المصحح اللغوي، لأننا في عصر نتحدث فيه بالعامية وننسى لغتنا الفصحى.

    كل المودة الدائمة :)

  6. 22 أكتوبر 2009

    أهلا أيها العزيز والكريم محمد

    أعتقد بأن هناك دور كبير يعول على المثقفين العرب بالدعوة الإبداعية في مؤلفاتهم بكل ما ينهض بالثقافة العربية، والأمل موجود، فكل الأحداث تمثل تحديات جسيمة مستمرة للعرق العربي المسلم، وهناك معطيات تبشر بخير وإحصاءات عن إنتشار المسلمين وزيادة المهاجرين للخارج. كما حدث لليهود من قبل، وكل هذه المعطيات وأكثر مفيدة على المدى البعيد، كما أن قانون التحدي والإستجابة يمثل سبب إثبات الذات، وسيأتي اليوم الذي نحسن فيه التصرف مع التحدي القائم، لأننا لم نحسن التصرف في هزيمة 67 وما بعدها، وتجربة الملك عبدالله في كاوست بإنشاء مجمع للبحث العلمي بداية في الطريق الصحيح، وأنا متفاءل بها جدا، وليس كما يرجف المتشاءمون.

    سياتي اليوم الذي يقرر المجتمع العربي أن يتعلم، وسيعرف طريقه الصحيح، ولكن لن تكون الأحداث كما نتوقع، حيث أن كل ما كنا نرفضه اليوم كمجتمع سنقبل به غدا، لأنه خيارنا الوحيد.

    شكرا جزيلا لك :)

  7. 27 أكتوبر 2009

    الثقافة هي الحل………..!

    ليس أفضل من الحلول العملية……!

    لو صار العالم العربي مثقفا وقارئا لقضي على المخاوف بشأن اللغة العربية الفصحى….! حينها سوف يحاول الجميع الكتابة وكل كاتب يريد أكبر عدد من القراء…. والفصحى هي المشترك الأكبر الذي يجمع الجميع ….. فتصبح الكتابة بالفصحى هي المسيطرة……!

    ولهذا سلامة موسى صارت كتاباته لاحقا بالفصحى………………………………..!

  8. المشكلة ليست فقط العربية الفصحى بل المحتوى العربي

    على سبيل المثل بعدما ادخلت اللغة الانجليزية إلى جميع الجامعات فمثلاً انا طالب جامعي هندسة حاسب آلي جميع كتبي ومناهجي لغة أنجليزية واذا اردت قراة كتب تقنية باللغة العربية لا اجد سوى اثنين او ثلاثة …

    فالمحتوى العربي القليل .. واعتقد الحل السليم ان تكون الدراسة الجامعة باللغة العربية مع زيادة حصص اللغة الانجليزي من باب تعلم اللغة
    وزيادت المحتوى العربي ..

    يوجد عرب بالاوربية فقط يتكلمون العربية ولا يستطيعون كتابتها ..

  9. 11 فبراير 2010

    أوافقك عزيزي عبد الله في هذا الرأي وهو الذي يعارضه البعض بما لا يخدم تطور الثقافة العربية لا مجرد الحفاظ على اللغة :)

  10. 26 مايو 2010

    نقلت هذا المقال من باب الإثراء ليس إلا .
    اللغة العربية في الزمن الرقميّ: ستُّ فجائع، وثلاثةُ مقترحات!

    حبيب عبدالرب سروري

    (1) مدخل: نحو جَدَلٍ حول مأساة واقع اللغة العربية في الزمن الرقميّ!

    يستخدم العرب، بأعداد أكثر فأكثر لحسن الحظ، البريدَ الإليكتروني وتصفّحَ مواقع وصُحُف إنترنت، وتنزيلَ المواد الإليكترونية من مقالاتٍ وأغان… إذا اعتبر القارئُ هذا الحضورَ العربيَّ انتماءً للعصر الرقميّ، فمن الأفضل أن لا يواصل قراءة هذا المقال، لأن هذا القارئ الأريب أشبه تماماً بمن يُعرِّف الإنسان بـ«كائنٍ حيّ يتنفّس ويأكل ويشرب فقط»!…

    هدف هذا المقال: 1) رسم الخارطة المأساوية لخواء حضور اللغة العربية في الزمن الرقمي، 2) لفت نظر الجميع لتأخّرِها المرعب للبدءِ ببناءِ قاعدةٍ تحتيّة لحضورها على الإنترنت، في حين أكملَ معظمُ الدول بناء هذه القاعدة التي أخذَتْ عدّة عقود، قبل أن تَبدأ عصرَ الرقمنةِ ومشاريعَه المعرفيّة العملاقة، 3) إثارة جدلٍ عربيٍّ واسع حول هذا التأخر، 4) ضمّ أكبر مجموعة من عشّاق اللغة العربية من كتّاب وباحثين ومدرّسين وطلّاب، وأصحاب قرار أيضاً (أياً كان ضعف إدراكهم للأهمية القصوى لإنقاذ اللغة العربية، أو رغبتهم الحقيقية في دخولها غرفة الإنعاش) للعمل لتحقيق أهداف محدّدةٍ متكاملة لإنقاذِ لغتنا التي نعشقها أيّما عشق!…

    قبل سرد الفجائع الستّ التي ستوضح للقارئ أن العربية في العصر الرقميّ عملاقٌ من قش، يلزمني إعطاء تعريفين!…

    (2) النص الورقيّ والنص الرقميّ: تعريفان لا بدّ منهما، قبل سرد الفجائع!

    إذا كان تعريف النصّ الورقي سهلاً («هو نصٌّ مكتوبٌ أو مطبوعٌ على عدد من الأوراق…») فتعريف النص الرقمي أصعبُ وأوسعُ بكثير: هو نصٌّ يصلُ من شبكة كمبيوترات (تتكون من كمبيوتر واحدٍ على الأقل، أو تضمّ كلَّ كمبيوترات الكون إذا لزم الأمر) ويُقرأُ على شاشة. غير أن له خصوصيات عدّة، شديدة الأهمية والثراء، لا توجد في النصّ الورقيّ، سأسرد أبرزها الآن:

    أ) هو نصٌّ فائق، Hypertext: تتعانق فيه كل الوسائط معاً، من صوتٍ وصورةٍ وفيديو، في وعاءٍ تفاعليٍّ جميلِ الإخراج، متعدِّدِ الأبعاد، عبقريِّ المحتوى! لذلك هو أرقى وأثرى الوسائط الثقافية التي عرفها الإنسان منذ فجر التاريخ!… (لعلّ عبارة: «نصّ تشعبّي»، التي تُستخدم غالباً لترجمة Hypertext ليست مناسبة جدّاً!).

    ب) هو نصٌّ مفتوح (وليس مغلقاً مثل النص الورقيّ الذي يبدأ بالصفحة الأولى وينتهي بالأخيرة) بفضل «صلات النصوص الفائقة»، Hypertext Links، المشار لها عادةً بخطوط أسفل أية كلمة، والتي تسمح (عند نقرِها) بالانتقال إلى موضعٍ آخر في نفس النص أو إلى أيِّ نصٍّ آخر في أي كمبيوتر في أطراف الكرة الأرضية. تستطيع هذه الصلات أيضاً الانتقالَ الآلي إلى قواميس لشرح مدلولات كلمات النص، أو تقديمَ أية معلومات عنها…

    ج) هو نصٌّ هوائي، يمكن الوصول إليه من أي جهاز (كمبيوتر، تلفون نقال، جهاز ألعاب الكترونية، جهاز القارئ الالكتروني الجديد…) ومن أي مكان: المكتب، الشارع، الشاطئ، سرير النوم، المرحاض… ثمة استعارة تقليدية أنيقة تُصوِّر هذه الخصوصية بشكلٍ صائب: Cloud Computing، أو «الحوسبة السحابيّة» إذا جاز القول!…

    د) هو نصٌّ ذَرِّيُّ الفهرسة (يتم فهرسةُ جميع كلماته، وليس فصوله فقط مثل الكتاب الورقيّ) بفضل ما تسمى: «موتورات البحث» الكونية (مثل جوجول الذي يحوي حاليا أكثر من 25 مليار نص، ومليار صورة، موزعة على نصف مليون كمبيوتر، في 32 موقعاً جغرافياً أميناً، كثيرٌ منها تتخندقُ قرب المفاعلات النووية)… بفضلها يمكن الوصول إلى النص الرقميّ بطريقة عبقرية لم تخطر ببال قبل سنوات قلائل: يكفي أن تُقدَّمَ لموتورات البحث كلمةٌ أو بضعةُ كلمات من النصِّ أو من عنوانه، أو كلمات قليلة تتعلّق به، كي تضع هذه الموتورات النصَّ أمام القارئ (مثل خاتم سليمان السحريّ) وتعرضهُ على الشاشة في بضعة ثوان! ليس ذلك فحسب، بل تقدِّم رهن إشارة القارئ في نفس الوقت أيضاً، جميع النصوص والوثائق والكتب الموجودة على الإنترنت التي تحتوي على تلك الكلمات المقدمة لموتورات البحث!… ألا تبدو الحقيقة هنا أشدَّ إعجازاً من الخيال؟…

    ه) هو نصٌّ سهلُ التحديث (يتطلب ذلك ثوانٍ فقط أحياناً، بعكس النص الورقيّ الذي يلزم إعادة طبعه!)، سهلُ النسخ والنقل والإرسال (يتمّ ذلك في هنيهات!)، سهلُ الحمل (لا وزن له أو أعباء لوجيستيكية!)، ليس له أية مضار بيئيّة مثل النصّ الورقيّ!… ناهيك أنه أرخص من النص الورقيّ بكثير لاختفاء الحاجة للورق والحبر والمطابع ومكتبات التوزيع!…

    (3) الفجيعة الأولى: لغةٌ بلا بناءٍ تحتيٍّ معرفيّ!

    توالت على العالم منذ بدء التسعينات من القرن المنصرم، لاسيما الغرب والشرق الأقصى، مشاريع عملاقة تدعمها الدول والجامعات والمؤسسات العامة، لِرقمنة البناء التحتي للمعارف والحياة العمليّة من نصوص علمية وتقنية وثقافية متنوعة، ودراسات ومحاضرات ودروس للطلاب من المدرسة الابتدائية حتى الجامعة (أقود شخصيّاً مشروعا قوميّاً فرنسيّاً تساهم فيه بعض الجامعات ومراكز الأبحاث، يرتبط برقمنة بعض مواد «الحاسوبيات اللغوية»)، وقواميس وموسوعات وخرائط جغرافية حيّة ترسلها الأقمار الصناعية بشكل مباشر. لكن العالم العربي يعيش في كوكبٍ آخر بعيدٍ كليّةً عن منملة هذه النشاطات والمشاريع شديدة الجوهرية!…

    النتيجة اليوم تفقأ العين: بوابات إنترنت للبناء التحتي المعرفي لكل تلك الدول (بوابات المشاريع القومية الرسمية والمكتبات الرقمية المجانية المتخصصة في شتى المجالات، مواقع المؤسسات التربوية العامة أو الخاصة، الجامعات ومراكز الأبحاث، الأساتذة أو الطلاب…) زاخرةٌ بملايين الصفحات الرقمية التي تشكّلُ الصرح الجديد لمجتمعات المعارف!…

    يجد القارئ اليوم في مواقع إنترنت تلك الدول ملايين النصوص والكتب الرقمية العلمية والثقافية!… جميعها مدجّجة بـ«صلات النصوص الفائقة» التي تسمح بالانتقال اللحظيّ المباشر إلى جميع المراجع الرقمية المذكورة في تلك النصوص والكتب الموجودة على الإنترنت. معظمها غنيّةٌ بكل الوسائط من صوت وفيديو وصور ذات ثلاثة أبعاد، مُترعةٌ بتمثلات التجارب المختبرية ونصوص المحاضرات بالصوت والصورة، متجدّدةٌ ومتطوِّرةٌ في كل لحظة!…

    ثمّة ملايين المحاضرات والمقالات العلمية والتمارين المحلولة والتجارب العلمية والدراسات والأبحاث المقدّمة بطرق تربوية تفاعلية ثريّة طازجة، في كل اللغات… إلا العربية!

    ثمّة أيضاً مكوّنات جديدة لِلبناء التحتي للمعارف الرقمية لم توجد قبل إنترنت، صارت إحدى أهم مناهل المعرفة على الصعيد الكوني: الموسوعات التي يتمُّ تطويرُها ورفدُها يومياً، بشكل تفاعليٍّ تعاضديٍّ كونيّ، مما جعل الموسوعات الورقية تبدو بالمقارنة بها شديدةَ الفقر والتخلف!…

    يلزم الإشارة هنا إلى موسوعة ويكيبيديا على سبيل المثال، التي يمكن لأي إنسان متطوِّعٍ إغناءُها بأية لغة، والتي أضحت مرجع الملايين من البشر يوميّاً!… يصعب هنا عدم التنويه إلى أن معظم طوبات هذه الموسوعة، لاسيما في أغلب المجالات العلمية والثقافية، تخلو من الترجمة إلى العربية، في حين تُترجم غالباً إلى لغاتٍ أقل تداولاً من العربية بكثير!… يكفي فتح هذه الموسوعة على الإنترنت وتقديم أي كلمة، بلغة غير العربية، لموتور بحث الموسوعة، لرؤية النص الموسوعيّ المتعلق بهذه الكلمة مترجماً لِعديد من اللغات الأكثر أو الأقل تداولاً على السواء، إلا العربية! (الكارثة أصمُّ وأطمّ: في أحيان كثيرة لا يوجد حتّى رديفٌ عربيٌّ لتلك الكلمة!)… عدد المواضيع المكتوبة في ويكيبيديا باللغة البولندية، على سبيل المثال، يساوي عشرة أضعاف ما هو مكتوبٌ بالعربية تقريباً!…

    باختصار شديد: في كل المجالات العلمية والتقنية، وفي معظمِ الحقول الثقافية والعمليّة، تمتلك اللغات (عدا العربية) اليوم قاعدةً تحتيةً معرفيّةً رقميةً متعدّدةَ الوسائط (أقصت النصّ الورقي وحلّت محله تماماً، ليبدو، في هذه المجالات على الأقل، وكأنه من مخلفات العصر الحجري!). صناعة المعارف فيها دخلت سباقاً يوميّاً! أما القاعدة التحتية المعرفية بالعربية فهي غائبةٌ بشكلٍ كليّ: لا توجد أيّة مشاريع عربية تستحق حتى الذكر، في هذا الجانب!…

    لعلّ اللغة العربية تحتضرُ اليوم بهدوء جراء عدم مواكبتها الزمن الرقميّ: لا يجد فيها الطالب أو المدرّس ضالّته! لذلك، على سبيل المثال، أضحت المواد العلمية تُدرَّسُ باللغات الأجنبية في كل المدارس الخاصة في العالم العربي، وفي كثير من المدارس الحكومية أيضاً. ناهيك عن غياب العربية شبه الكليّ في تدريس المواد العلمية والتقنية والطبية في جميع الجامعات العربية تقريباً، بسبب عدم استخدامها لكتابة المعارف الحديثة!… ربما لذلك يُقال اليوم أكثر فأكثر إنّها «لغةٌ لا تصلح للحداثة، بلا مصطلحات»!…

    (4) الفجيعة الثانية: لغةٌ تعاني من أنيميا الترجمة!

    من المعروف أن حملة الترجمة الواسعة من مختلف اللغات الإغريقية والسريانية والفارسية والسنسكريتية والحبشية، في العصر العباسي، للكتب الأجنبية في شتى المجالات من فلسفة ومنطق وطب وفلك ورياضيات وأدب، أغنت العربية براوفد فكرية وكلمات ومصطلحات كثيرة، لتصبح بفضل ذلك لغة الحضارة الكونيّة في القرون الوسطى (مثل الإغريقية قبل الميلاد، والإنجليزية والفرنسية والأسبانية اليوم).

    ومن المعروف أيضاً أن اليابان لم تتحوّل من دولة متخلفة في بدء القرن التاسع عشر إلى إحدى أكثر دول العالم تقدّما اليوم، إلا بفضل حملة ترجمة واسعة لكل معارف الغرب وانجازاته وسياسته التعليمية، انطلاقاً من أن ترجمة إبداعات الآخر الأكثر تطوراً، واستلهام نهجه، هو مفتاح اللحاق به!…

    وفي العقود الأخيرة شنّت الصين أيضاً حملةً واسعةً شرسةً لترجمة المعارف الكونية، لاسيما الغربية، انطلاقاً من نفس المبدأ. استخدمت في ذلك الوسائل التقنية الحديثة، لاسيما إنترنت. قدّمت عروضاً ومكآفات للمترجمين من متخصصين أو طلاب، داخل الصين أو خارجها. فتحت معاهد وأقسام جامعية ونظَّمتْ مسابقات عديدة للترجمة!…

    ثمة اليوم (بفضل الحاسوب، وعلوم الكمبيوتر الجديدة، لاسيما علوم «الحاسوبيات اللغوية») طرائق آلية جديدة، تسمح للكمبيوتر بترجمة النص دون مترجم، وبشكل فوريّ! البرمجيات التي أنتجتها هذه التطورات العلمية والتقنية تستطيع اليوم ترجمة كتاب، أو موقع إنترنت، بدقائق. ربما مازالت نتيجة ترجمتها غير دقيقة أو غير جيّدة أحياناً، لاسيما عند ترجمة النصوص الأدبية واللغوية المعقدة. لكنها تساعد على الحصول على نصٍّ أوليٍّ خامٍ سريع جدّاً، يكفي تصليحه وتحسينه يدويّاً للحصول على الترجمة النهائية!… مازال استخدام هذه التقنية عربياً ضعيفاً جدّاً رغم إمكانية استثمارها بقوّة، لاسيما لِردمِ هوّة الترجمة العلمية والتقنيّة والثقافية!…

    أنيميا الترجمة العربية صارخةٌ اليوم: كثير من أعين الكتب العالمية لم تر النور بعد بالعربية! معظم أمهات الكتب الحديثة التي تشكّل نبراس الحضارة المعاصرة غير معروفة بالعربية! يكفي لاستيعاب حجم الكارثة ملاحظة أن ما ترجمته إسرائيل في السنوات العشر التي تلت تأسيسها يفوق كل ما ترجمه العرب منذ بدء القرن التاسع عشر إلى اليوم!…

    (5) الفجيعة الثالثة: لغةٌ بلا مُدوّنة!

    مدوّنةُ أية لغة، (Corpus)، هي مجموعةٌ هائلة (تعدُّ كلماتها بالمليارات) من عيّنات النصوص المكتوبة أو المنطوقة، الآتيةِ من قطاع متنوع عريض محايد من المصادر (الصحف والمجلات المكتوبة والمسموعة والمرئية، الكتب المتنوعة، النقاشات، التقارير، مواقع إنترنت…) والتي تعطي صورةً دقيقةً كاملةً عن اللغة في مختلف أشكالها واستعمالاتها اليومية والعلمية والعمليّة والأدبية، خلال مرحلةٍ زمنية معيّنة!…

    تمتلك اللغات اليوم مدوّناتها، المسماة أحياناً «بنوك اللغة». ثمة بوّابات على الإنترنت تسمح بالوصول لـ«قواعدها البيانية» الضخمة والبحث المحدّد في طيّاتها، أو معالجتها أتوماتيكياً بشكلٍ إجمالي! من كنوزها (التي يتمُّ رفدها كل يوم) تُستخلَصُ القواميس والمعاجم المتخصصة في المجالات اللغوية والعلمية والتقنية والعملية. هي المختبر الذي تخرج منه الدراسات اللغوية المتنوعة لِبُنيَة اللغة وظواهرها وشتى دلالات كلماتها، لنواقصها واحتياجاتها المتجدّدة، لمعاجم تاريخ وأصول الكلمات وعلاقتها باللغات الأخرى (المعاجم الإيثومولوجية التي لا توجد حتى الآن في اللغة العربية)!…

    المفارقة المثيرة والمؤلمة أن اللغة العربية التي كانت أول من أسس القواميس والمعاجم اللغوية (منذ الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب قاموس العين، وربما الأصمعي قبل ذلك)، والتي قامت في عصرها الذهبي بِدورٍ طليعيٍّ في تأسيسِ دراسات النحو والصرف العبقرية، وتصنيفِ المفردات وترتيب جذورها واشتقاقاتها، وتأليفِ كل المعاجم (بما فيها معاجم الجنّ والشياطين!)، والتي انفتحت بشكلٍ مبكِّرٍ على لغات العالم منذ العصر العباسي وحملة ترجماته الزاخرة، لا تمتلك حتى الآن مدوّنتها اللغوية، أو أي معجم إيثومولوجي!…

    (6) الفجيعة الرابعة: لغةٌ بلا «مُتعرِّفٍ ضوئيٍّ لِلأحرف»!

    المتعرِّف الضوئي لِلأحرف، Recogonizer Optical Character،OCR ، (أو القارئ الضوئي الآلي) برنامجٌ قاعديٌّ ضروريٌّ تمتلكه كل لغة، يسمح بتحويل النص المصوّر بكاميرا أو ماسح ضوئي (سكانير) إلى نصٍّ رقميّ يمكن فتحه بناشر الكتروني (مثل «ورد»)، وأرشفته كملف على الكمبيوتر!… لا يوجد حتّى اليوم قارئٌ ضوئيٌّ آليٌّ عربيٌّ يستحق أن يحمل هذا الاسم! (بيعت في الأسواق العربية برامج غير جيدة لهذا الغرض، رمى بها بعض من اشتراها في سلّة المهملات، رغم سعرها الباهظ!).

    يُشكِّلُ عدم تصميم برمجيةِ قارئٍ ضوئيٍّ آليٍّ لأحرف اللغة العربية حتى الآن عائقاً كبيراً يمنع دخولها عصر الرقمنة، لأنه وحده ما يسمح بتحويل صور صفحات الكتاب إلى نصوصٍ رقميّة!… دونه يلزم من جديد إعادة طباعة كل ما كُتِب بالعربية على الكمبيوتر!… تستخدم اليوم كلُّ اللغات، التي تمتلكُ قارئاً ضوئياً آلياً ، أجهزةً الكترونية ذات «روبوتات» تستطيع بدقائق، وبشكل آليٍّ كامل، فتح الكتاب وتصويره صفحةً صفحة، وتمرير القارئ الضوئي الآلي عليه لِتحويلهِ إلى نصٍّ رقميّ، قبل أرشفتهِ وزجِّهِ في فضاء إنترنت الكوني ليصل إلى أرجاء العالم في لمحة بصر!…

    بعض هذه الأجهزة، الذي يكلّف الواحد منها اليوم حوالي ربع مليون دولار، تشتغل في هذه اللحظة التي أكتب فيها هذا المقال، لرقمنة مئات الكتب يوميّاً، بلغاتٍ غير العربية!… في 2007 فقط رَقْمَنَ مشروع جوجول مليون كتاباً بفضل هذه التكنولوجيا!.

    انتقال النص من مرحلته الورقية، إلى نصٍّ رقميٍّ يهيم في شبكة كمبيوترات إنترنت الكونية، يمثِّلُ عبوراً من مرحلة حضارية سحيقة إلى أخرى أرقى بكثير (أشبه، دون مبالغة، بالانتقال من عصر الشموع إلى عصر الكهرباء) لما يتمتع به النص الرقمي من مواصفات سردتُها أعلاه!

    يمثّل غياب قارئٍ ضوئيٍّ آليٍّ لِصُور النصوص بالعربية معضلةً قوميّة يصعب تصوّر إمكانية وجودها اليوم، في أي بلد، ناهيك عن عالمٍ تمتلك بعض دولهِ ثروات وإمكانيات ماديّة هائلة، كالعالم العربي!…

    (7) الفجيعة الخامسة: لغةٌ بدون تقنيات تصحيحٍ وموتورات بحثٍ ملائمة!

    أتاحت ديموقراطية إنترنت وسهولة النشر الإلكتروني الكتابةَ المباشرة والنشر السهل للجميع، وليس للنخبة فقط كما كان الحال قبل إنترنت!… إذا كانت تلك نعمةً للشعوب التي حدثت فيها ثورات وتحديثات وإصلاحات في لغاتها، والتي صمَّمتْ برمجيات كمبيوترية لتصحيح نصوصها قبل وضعها على الإنترنت، فإنها نقمةٌ وبليّةٌ حقيقية في العالم العربي الذي لم تتطوّر لغته منذ قرون، والذي يكتظُّ بالأميين، والذي لا نبالغ إذا قلنا إن كثيراً من خريجي مدارسهِ (وجامعاته أحياناً) أنصاف أميين أثناء الكتابة!…

    الموضوع خطيرٌ في الحقيقة لأن صفحات إنترنت بالعربية (لاسيما منتديات الدردشة والحوارات، وصفحات الأخبار والتعليقات العامة على الأحداث اليومية والكتابات…) ملطّخةٌ بأدغال من الأخطاء اللغوية والإملائية التي لا تخطر ببال!… المذهل أن عدد بعض الكلمات المكتوبة بغلطات إملائية على الإنترنت قد يفوق يوماً عددَ نفس الكلمات المكتوبة بدون أخطاء! مما ينذر بأنها ستحلُّ محلها، بحكم مبدأ سيادة الأغلبية الإحصائية، عند أية معالجة أتوماتيكية للّغة العربية تمرُّ على كلِّ ما كتب بها على الإنترنت!… من يدري، قد تحلُّ محلها أيضاً في أعين القراء العرب، لاسيما قراء الأجيال القادمة، بحكم مبدأ «الانتقاء الطبيعي» الدارويني الشهير، لأن هذه الأخطاء هي الأكثر حضوراً ومرجعية!…

    سأضرب مثلاً عمّا يعني افتقار موتورات البحث، كجوجول، لمصحّح لغوي عربي: يكفي أن تُقدِّم لجوجول كلمةً مكتوبة خطأً: «يصوموون»، أو «مريظ»! لِتصلك آلاف من صفحات إنترنت تحمل هذه الكلمة المكتوبة خطاً، بسبب عدم وجود مصحح لغوّيّ بالعربية مرفق بموتورات البحث! فيما لو تكتب الكلمة بخطأٍ إملائيٍّ بِلغة أخرى، مثل الفرنسية: «Mangeoons» فسيصحِّحها موتور جوجول أتوماتيكيا لِتصبح: «Mangeons» قبل أن يعطيك صفحات إنترنت التي تحوي هذه الكلمة المصحّحة!… موتورات البحث نفسها، كجوجول، ليست ملائمة للعربية، لأنها لا تأخذ خصوصيات تصريفاتها ومرادفاتها في الاعتبار أثناء البحث!…

    المريع أن ملايين الصفحات العربية الموبوءة بأعدادٍ فلكيّة من الأخطاء الإملائية مؤرشفةٌ اليوم في شبكة إنترنت شأنها شأن غيرها. تشكّلُ جميعها، دون تمييز، ترسانة النصوص العربية على الشبكة الكونية!… ما أشبه هذه الترسانة أحياناً بشيخٍ عجوزٍ خائر القوى، تلتهمه الفيروسات!…

    (8) الفجيعة السادسة: لغةٌ لم تدخل عصر الرقمنة بعد!

    دخلت كثيرٌ من الدّول في السنوات الأخيرة، بعد إكمالها بناء القواعد التحتيّة الرقمية (قارئٍ ضوئيٍّ آليٍّ للأحرف، مدوّنه لغوية، ترجمة كثيفة يدويّة وآليّة، برامج تصحيح لغويّ وموتورات أبحاث ملائمة…) عصر مشاريع الرقمنة العملاقة: أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: مشروع جوجول وبعض كبار المكتبات القوميّة في عام 2004 برقمنة 15 مليون كتاباً، مشروع ميكروسوفت الموازي، مشروع المكتبة القومية الفرنسية برقمنة 6 مليون كتاباً، مشروع دول الشمال الأوربي…

    اللغة العربية لا تفتقر بشكلٍ كُليٍّ مفجع لنظائر هذه المشاريع فقط، لكنها لم تبدأ بعد بناء قاعدتها التحتية!… الأرقام العربية التي سأقولها الآن تشرح وحدها ضراوة المأساة: مجمع اللغة العربية في الجزائر الذي تدعمه الجامعة العربية بميزانية خاصة منذ 1975، والمكلف بتأسيس «الذخيرة العربية»، رقمَنَ حتّى الآن بضعة مئات فقط من الكتب العربية، بسبب عدم وجود هذه البنية التحتية! تنوي مشاريع قُطْريّة عربية برقمنة عدد ضئيلٍ للغاية من الكتب العربية، أشعر بالخجل من ذكره!… هذا كلّ ما في الوفاض العربي!…

    لا شكّ أن ثمة مواقع عربية تستحقُّ كلَّ تشجيع وتطوير كـ«المسبار»، «الورّاق» «المصطفى»، «مكتبة الإسكندرية»، «المعرفة»، «صخر»… وغيرها مما أجهله من المواقع المخلصة التي تبذل جهوداً متفانيةً لتعزيزِ حضور العربية وتفاعلها مع اللغات، ورقمنةِ المعارف والكتب بها… لكنها ستظلُّ ضعيفة التأثير إذا لم يحتضنها مشروعٌ قوميٌّ جبّار، بأهداف عمليّة متكاملة محدّدة!…

    (9) ثلاثة مقترحات…

    في اتجاه هذا المشروع، أودُّ تقديم ثلاثة مقترحات مترابطة للمؤسسات الثقافية والتعليمية العربية، وللحكومات العربية ولِجامعة الدول العربية (وإن كان أملي باهتاً جدّاً في أن تلاقي آذاناَ صاغية!):

    الاستفادة من التجربةِ الصينية في الترجمة، المستندةِ على تقنيات العصر الرقمي: فتحُ مسابقات ترجمة للجميع (مترجمين تقليديين، طلاب ومتخصصين، كتّاب، معاهد وأقسام ترجمة)، وتقديمُ مكافآت تُعطَى حسب مقاييس تختارها لجانُ تحكيمٍ خبيرة، في ضوء خطّة ترجمة عربية لترجمة ما يعادل العشرة آلاف كتاباً سنويّاً!… يمكن وضع هذه الكتب المترجمة في بوّابات إنترنت لتصل للجميع، دون الحاجة إلى طباعة معظمها بالضرورة!…

    فتح باب مسابقات للمدرّسين الجامعيين داخل العالم العربي أو خارجه، تضع مقاييسها وتختار عروضها الناجحة لجان تحكيمٍ متخصّصة، هدفُها بناء بوّابات دروسٍ رقمية عربية نموذجية على الإنترنت للطلاب العرب في مختلف المواد العلمية والتقنية، تستخدم تقنيات متعددة الوسائط حديثة!…

    إكمال البناء التحتي للغة العربية على الإنترنت (قارئٌ ضوئيٌّ آليٌّ للأحرف، مدوّنةٌ للغة العربية، موتورات بحث وبرمجيات تصحيح ملائمة، تقنيات ترجمة آلية…) خلال 3 سنوات!…

    (10) خاتمة

    من المعروف أن هناك علاقةً فيزيولوجيةً عميقة بين التفكير واللغة. تجمُّدُ العربية (التي لم تعرف الإصلاحات الجذرية لمواكبة حاجة العصر، مثل بقية اللغات) هي المرساةُ التي تشدُّ سفينةَ العقل العربي وتبركُه منذ قرون!… تأخّرُها اليوم بالبدءِ ببناء قاعدتِها التحتيّة التي ستؤهّلها لخوض مشاريع الرقمنة الكبرى، يوسّعُ الهوَّة الشاسعة التي تفصل العرب عن بقية العالم المتقدّم!…

    لعلّ استعارة «السلحفاة والأرنب» لم تعد اليوم مناسبةً لمقارنةِ سرعةِ تطوُّرِ العالم العربي بالقياس إلى الغرب والشرق الأقصى اللذين صارا، بفضل مشاريع الرقمنة الكبرى، أشبه بأرنبٍ مُجنَّح! في حين أمست سلحفاتنا العربية العزيزة عرجاء، تلتهمها الفيروسات!…

    ثمّة مع ذلك مقترحاتٌ عمليّة متكاملة قدّمها هذا المقال، قد تساهم في تغييرِ شيءٍ ما، إن وَجَدت من يلتفتُ إليها ويلتفُّ حولها ويناقشها ويطوّرها ويحوّلها إلى واقعٍ عملي!… لعلها بحق مفتاح مجتمع المعرفة، الذي لا تنميةَ أو تطوّرَ بِدونه!…

  11. 26 مايو 2010

    نقل موفق يا مازن.