أيلين بنت زينب
الثقافة العربية
الفتاة الأولى أسمها أيلين والأخرى تولين، والثالثة لمار، هن مواليد عربيات سعوديات ، لسن من الدانمارك ولا فرنسا ولا فارس.
عجز العقل العربي عن الإبداع ومل من الأسماء التقليدية، فاطمة، زينب، هيفاء، ومن حقه أن يمل، فكل أمة ناهضة العقل، تعيد اختراع اللغة في كل عصر، ولكن العقل العربي توقف بسبب التقديس الأعمى للماضي وللفكر المقولب، وكأن القرآن ثابت الفهم ليس بمتغير في تأويله، وكأن اللغة العربية جامدة ليست كائنا يستمر في الحياة والتوالد.
لم تكن جديدة استلهام المسميات من الثقافات الغير عربية، ولكن ابراهام هي إبراهيم، وجوزف هي يوسف في تعريب إبداعي للمسميات.
العلمانية جاءت لفض النزاع بين الكنيسة وبين الدولة والمجتمع، فأخذوها كما هي وقالوا هذه بضاعة جاهزة، ذكرى لأصنام عمرو الخزاعي التي جاءت من العراق ليفعلوا بها كما كانوا يفعلون ويربح المال.
الليبرالية لفظ إغريقي ، ومعظم علوم الغرب إغريقية الأصل، لأمة عادت لأصلها الهيليني هربا من حقدهم على المسلمين ثم غربت ونصرت علوم الأجداد، فجاء بها العرب وقالوا هذه بضاعة جاهزة لحل مشكلة الاستبداد الديني والاجتماعي والسياسي.
معظم المصطلحات مستوردة، والقليل مثل مالك بن نبي من يبدع، لأن العقل العربي الحديث لا يملك الوقت، يريد الحل السريع، فيدمره مستقبل الحاضر، والكل غالبا يقول نعم نحن بحاجة للإبداع، ولكن الثمن للإبداع كبير لا يحتمل الكثير دفعه بالوقت والكد والتعاون مع الآخرين.
كتب ابن رشد كتابا كاملا ومشروعا فكريا عظيما كي تحل مشكلة التوفيق بين العلم وبين الشريعة، ولكنه جاء في الوقت الضائع، ولم يتعلم منه إلا الغرب، وعندما أتى المستشرق رينان بالحديث عن ابن رشد، هلل العرب، وجاء أحد العلمانيين العرب ليبشر نعم إنه ابن رشد. ولكن لا إسلام ولا فتوى، وكأن ابن رشد لم يكن فقيها ولا قاضيا شرعيا ولا مسلما عشق الإسلام كما عشق الفلسفة.
هذه مشكلة كبيرة، نحن بحاجة لا لأن نفكر، فقد اكتفينا من التفكير، بل نحن بحاجة لأن نبدع، أن نضع التفاصيل للعقد الاجتماعي، أن نؤسس لنظام السلطات التشريعية بثوابتنا حتى لو اختلفنا معها، أن نعرب القوالب الغربية، أن نؤسلم الأفكار النصرانية، أن نقبل بتغريب مصطلحات الطبيعة كما ظلت الكيمياء عربية، وأن نستمر في البحث والتفكير والتقصي، قبل أن نطلق الأحكام، قبل أن نعلن النظام الجديد، لا أن نذهب بالولاء والبراء إما لأقصى اليمن أو لأقصى اليسار.
إذا كبرت أيلين في هذا العالم المعقد، كيف ستنظر إلى هويتها في ربيعها العشرين، فأمها زينب عاصرت جيلين، الأول لم يعرف الغرب والثاني هجم عليه الغرب؟
لعلنا نراها غدا لا تتحدث العربية، مثل الجزائرية الفرنسية حليمة، ومعها تولين ولمار، ولكنني متفاءل، وتفاؤلي أعمل به، أنها ستذوق أبنها لذة العربية، وسيأتي أسمه من واقع التفكير.
كل المسألة هو التفكير الإبداعي عن ما هو الاسم، للرجل الذي تشرق له الشمس ؟!
Huda M 10 يناير
السلام عليكم
رغم أنني حقيقة لم أفهم تساؤلكـ , ربما لأنه سهل أكثر من اللازم أو أني أكثر تعقيدا ً ..!!
إلا ّ أنني استميحك عذرا ً بالخروج عن موضوع الشريط .
ابتهجت كونك جمعت بين “الدين و الفلسفة” في جملة واحدة , لطالما كانت نقطة التوازن مفقودة بينما فنجد الكثير من الفلاسفة ملاحدة أو منكري للسنة على المستوى الإسلامي .
حسب أحد تعاريف الفلسفة أكتب المعادلة التالية : الفلسفة = الفضيلة , إذا ً وعلى أي أساس سُميّ / صُنف نيتشه على أنه فيلسوف , أم للفلسفة أنواع ؟!
الفلسفة كانت ومازالت حب فطري ذاتي و من أراد الله به يفقه في الدين , عندما أهم بمسك أحدهما يفلت الآخر تلقائيا ً , نقطة توازن مفقودة تؤرقني جدا ً , لاأعلم أأبحث في تجرب الآخرين لأصل لها , أم أكن هنا تارة وتارة هناك , وبالتوازن و التفكير السليم سأجدني أقف عليها ..؟!
Huda M 10 يناير
عفوا ً عدت لأنني تذكرت أمر يزعجني , وهو عندما أتناقش مع البعض حول نقطة التوازن المفقودة بين “الدين والفلسفة” وإعتقادي الجازم بأنها موجودة , الجميع بلا إستثناء يعتبر هذه النقطة لا وجود لها , وأني أبدد وقتي دونما فائدة تذكر , ومازلت مصرة ” يمكن للفلسفة أن تخدم الدين فالفرد فالمجتمع فالأمة ” هكذا بهذه السلسة .
تحيتي
ماجد الحمدان 11 يناير
أجمل ما في الحياة هي التساؤلات المحفزة على الإبداع، مثل تساؤلاتك. لنبدأ بتعريف للفلسفة يجعها واضحة في الحوار، لنعتبرها العقل أو التفكير الإنساني. مشكلة الفلسفة الحقيقية مع الدين هو العامة، الفيلسوف يمكن أن يحقق توازنا كبيرا مع الحياة حتى لو كان ملحد ولكن بشرط الثقافة العالية، ولنأخذ شخصية حيوية وشهيرة، وهو المفكر الأمريكي الرائع نعوم تشومسكي، فهو منصف بحق المظلومين كالعرب، وكاشف لحقائق السياسة الأمريكية، وهو شخص متزن ومستقر ومبدع وشخصية ظريفة ورائعة، ومع ذلك فهو ملحد. السبب كونه فيلسوف. أي أن الفلسفة ليست قضية سهلة فهي بحاجة للكد الذهني والاجتهاد في التحصيل المعرفي كي يبدأ الإنسان بتحقيق ذلك التوازن. يقول أحدهم : (المعرفة القليلة مهلكة)
بالنسبة للدين فهو حسب تعقيداته، فالنصرانية دين لا يفهمه العامة ولا حتى المثقفون بتعقيداته الغريبة، فالعامة بحاجة للعودة إلى الكهنة والقسس والرهبان كي يباركوا لهم أو ليمنحوهم الرحمة على سبيل المثال، أما الإسلام فهو سهل أو دين فطرة أو اتصال شخصي بين العبد وربه دون وسيط. يمكن أن تكتفي بأركانه الخمسة وأركانه الستة وأنت في الصحراء بعيدا عن مزجه بالمعتقدات الثقافية المختلفة التي تصل إلى التجسيم مثلا.
إذا .. هل يوجد توازن؟
نعم يوجد توازن، ولكن عدم التوازن ينشأ في حالة أصبحت الفلسفة وسيلة لهدم الدين نفسه، وهي ليست كذلك، فإذا سمعت أن من تمنطق فقد تزندق، فذلك ظلم للإسلام، حيث أن الفتوى صدرت بحدود ضيقة وكانت تشير إلى المنطق الأرسطي الذي يسبب الشك بالدين (راجعي حواري مع العزيز علي العمري في موضوع بين ابن تيمية وبيكون).
ابن رشد أحد الفلاسفة الذين أوجدوا ذلك التوازن الرائع بين الفلسفة وبين الدين خاصة في كتابه فصل المقال، وهو كان شخصية متوازنة أكثر حتى من ابن خلدون الذي كان مغاليا وغاضبا في عدد من الحالات بسبب ظروفه الشخصية أو النفسية رحمه الله. والأخير كان فيلسوفا ولكنه نزل بالفلسفة من أبراجها العاجية وتحدث عن الواقع.
إذا ليس هناك أي تعارض بين الدين وبين الفلسفة إلا في ذهن الفيلسوف نفسه، ومن يعمم المسألة على الفلسفة بكليتها فهو شخص غالبا يعجز عن التفكير الحر والمستقل ويستسلم للتقليد.
بل على العكس ، فالفلسفة والحكمة هي غاية الدين الإسلامي على وجه التحديد، إذ أن التدبر والتعقل والتفكر ومترادفاتها الموجودة في عدد كبير من الآيات كلها تشير إلى الفلسفة أو الحكمة، ليست الفلسفة إلا درجة أولى من الحكمة، فنحن كلنا فلاسفة حينما نتساءل ، مثلما سميت نفسي (فيلسوف حر) ولكن لسنا كلنا حكماء. كما أن الفلسفة هي تعبير أعجمي بلفظ الإغريق عن محبة الحكمة، أي أنها ليست الحكمة إنما الرغبة بالوصول إلى الحكمة.
كما أن المشكلة الكبيرة وهي أن الفلسفة ربطت باليونان وحدهم، وكأنهم هم أهل العقل ونحن اللذين ابتلينا بالنقل وحده، وهذا باطل.
إذ أن الدين الإسلامي دين برهاني خالص، ودين منهجي تجريبي (قل هاتوا برهانكم) دين بني على الجدل إلا في الأمور الثابتة عند المؤمن، وبني على الجدل في كل الثوابت مع غير المؤمنين.
فهناك أركان لا تقبل الجدل مثل الجدل في الصلاة أو في الصوم أو في وجود الله، فأنت تستطيعين الجدل في وجود الله ولكن لا يجوز لك ذلك بعد الإيمان، فهناك فرق كبير بين من يتساءل بصدق ويبحث عن الحقيقة وبين من يتساءل وهو يهدم معتقدات الآخرين عبر تشكيكهم بمعتقداتهم.
هذا عرض موجز وليس مطول كتبته بسرعة للإجابة على تساؤلك حول قضية التوازن. اللذي أتمنى أن تحافظي عليه دائما فهو شعور نسبي ينقص ويزيد.
مع فائق الإحترام والتقدير.