العلمانية في محكمة القاضي ابن رشد

تحولت الموسوعة الحرة ويكيبيديا إلى أهم مصادر تكوين الوعي العربي الحديث، استطاعت هذه الموسوعة أن تبني مشروعا جديدا للثقافة العربية لم ينتظر رئيسا أو أميرا عربيا يتفضل به على الشعوب.

 

آلاف المنتديات العربية تحمل مواضيع مقتبسة من الموسوعة، نشأت أجيال شابة مثقفة جديدة بنت تصوراتها على أفكارها، استعان بها الطلاب في أبحاثهم، مثلت مراجعا حتى للكتب الأكاديمية الجامعية.

 

من السهل حماية الموسوعة الحرة من العبث السطحي، ولكنها قد تفشل أحيانا في الحماية من العبث اللا موضوعي، ولو كنت أملك الوقت الكافي لقمت بتصحيح عدد من المقالات في الموسوعة، ففي جانب الدقة وجدت أيضا بعض الأخطاء، حين بحثت عن ابن باجة لأجد كتبا لأرسطو نسبت للفيلسوف الأندلسي، ولا أعلم إن صححت بعد ذاك.

 

أما العبث الفكري فقد كان في مقال ابن رشد، وهو مقال زرته لعدة مرات، فكان مقالا مكتملا خاليا من الانحياز، حتى وجدت في زيارة لاحقة، تحريرا معلم بخط أحمر ينبه للحاجة إلى تأكيد المصدر. وهو تعريف يشير بأن الفيلسوف البرهاني الكبير يعتبر أبو العلمانية في الفكر الغربي.

 

هذا التعريف يخالف كل أفكار ابن رشد في نهجها العلمي، إلا في الجانب التطبيقي للقراءة الغربية. فالذي فعله الوليد في فصل المقال لما بين الحكمة والشريعة من اتصال لم يكن فصلا بين الحكمة و بين الشريعة، بل فصلا للخلاف القائم.

 

لقد أشار بأن هناك فسحة عقلية كبيرة تركتها الشريعة رحمة للعباد، تلك الفسحة يمكننا أن نبحر فيها بالتأمل والتجريب، وأشار بأن الثوابت الدينية في الشريعة لا تتعارض أبدا مع العلم والتفكير بل تسعى إليه حثيثا، وأثبت لذلك الشواهد.

 

أما العلمانية والتي جاءت تعريبا خاطئا لمصطلح الدنيوية، فهي الفصل الكلي بين الدين وبين الدولة، وهو فصل بدأ أو يبدأ بصورة جزئية في السياسة والاقتصاد ثم ينتقل إلى الفصل الكلي بين المجتمع وبين الدين.

 

تلك الدنيوية تتعارض مع جوهر التشريع الإسلامي، فهي ولدت من رحم الكنيسة، ولا علمانية في مجتمع بلا كنيسة، ولا دنيوية في مجتمع مسلم.

 

 

النظرية التي نحتاجها في الفكر الإسلامي ليست الدنيوية في القالب العلماني، بل نحن بحاجة للتفكير الإبداعي كي نبتكر نظرية جديدة تفصل المقال في العلاقة بين الفقيه وبين الدولة.

 

على الفقيه أن يكون في خارج القصر بعيدا عن القرار السياسي، على الفقيه أن يكون مرجعا للحاكم لا صاحبا للقرار، كما كان ابن مالك في زمن الرشيد، وبعد أن يستوفي شروطه العلمية الكلية. أي على السياسي أن يعمل بنفس المراجع الشرعية للثوابت الإسلامية، ويؤسس الدولة بالمفهوم المدني الحديث، وعلى الفقيه أن يستجيب شرعيا للتصورات الفقهية التي لا تتعارض مع ثابت القرآن الكريم.

 

ومع ذلك فهذا العصر جديد، ليس هو عراق أبو جعفر المنصور، ولا هو دولة الرسول ولا هو عصر الدولة الراشدية، إنما هو واقع استسلم له السياسي بذرائعية الواقع ليصبح بعيدا عن الثوابت الشرعية بالمفهوم الفقهي المتشدد مثلما هو الحكم السعودي، بل وعلماني كما هو الحكم المصري.

 

مرجعية الفقيه في هذه الظروف لا تستوجب أن يكون عالما في الشريعة جاهلا بالتعقيد الكوني للتاريخ، بل عالما في الإسلام مدركا للسنن الوجودية. والفرق ما بين العالمين هو الفرق الذي يلتقي فيه السياسي بالفقيه كي يتصالحان في مجتمع العدل.

 

بأن تبنى الدولة على الثوابت المشتركة كما كانت الدولة الإسلامية الأولى، وتلك الثوابت لا تعني صناعة مجتمع ديني شمولي كما هو الفكر الطالباني أو الإسلامي السعودي في وجهه المتشدد، بل مجتمع تعددي شوري حر، تختلف فيه الأديان والأعراق والأفكار، وترتقي فيه الأخلاق الفاضلة إلى مدارج السمو.

 

لم أقم أعلاه بتقديم نظرية جديدة أو حلا مبتسرا لقضية شائكة، بل هي إشارة إلى بداية نظرية جديدة يمكن أن تنشأ لحل تلك المشكلة بين الدولة المدنية الحديثة وبين فقيه الحلال والحرام.

 

هذا الصراع حول سلطة التشدد الديني ليس هو السبب الكلي ولكنه أهم الأسباب التي نشأت بها أجيال تتحدى الدين باستيراد غير بصير لمفاهيم الغرب ثم المحاولة بإقحامها في بنية ثقافية تلفظها جيناتها بعنف.

 

حتى وإن كانت الدعوة للعلمانية العربية تبنى على مرجعية إلحادية أو نصرانية تقاوم وجود فكرة الإسلام من الأساس، غير أن هذه المقاومة خاسرة في كل الأحوال، لأن الإسلام تعرض لمحاولات تدمير تاريخية لم تنتهي حتى اليوم، كانت ذروتها هي الحروب الصليبية، ليثبت الإسلام أنه لا يقهر ولا مجال في مقاومته عند الرافضة العرب إلا بقبوله وتطوير الوعي الديني للبقاء تحت مظلته بأمان، في مجتمع لا يرفض أن تكون لا أدريا ولكنه يرفض أن تهدم الدين بالدعوة للإلحاد أو بما يعمل على هدم الإسلام.

 

هذا الصراع هو الذي دفع البعض ليعتبر ابن رشد أبو العلمانية الغربية، رغم أن ابن رشد استطاع بأفكاره أن يصحح أفكار الفلاسفة الغرب سواء لا هوتيين أو برهانين حول العلاقة الجدلية بين الدين وبين العلم، وظلت أفكاره تمثيلا للتساؤلات القائمة والتي تعرض لها معظم الفلاسفة وعلى رأسهم، توما الإكويني ثم فلاسفة ما بعد العصر الوسيط، كهيجل الذي قام بفهم الأرسطية من قراءة الوليد ابن رشد.

 

رغم أن ابن رشد كان القلب النابض للفلسفة الغربية، رغما عن ذلك فقد تغيرت أفكاره بعد تنصيرها وتغريبها بل طمس اسمه عمدا، ولم يبقى فكره سوى الأدوات البرهانية والمنهجية، حتى نشأت الدنيوية في صيغتها الكلية، كنوع من الجدلية التصالحية بين العقل الدنيوي وبين الكنيسة. في تغريب وتنصير يحارب به البعض قرينه في التعريب والأسلمة.

 

النظرية العلمانية لا تتصالح مع الدين بقدر ما تأتي له كبديل تدريجي، لأنها تسحب البساط من الفكر النصراني العاجز على أن يعد الإنسان بالسعادة على الأرض، بعكس النظرية الإسلامية العلمانية – بدون أن يصح التعبير – تلك التي تنظم علاقة الدين بالعلم بالسياسة، في إطار ثوابت تقبل الجميع.

 

يمكن لابن رشد أن يكون أبو النظرية الإسلامية الجديدة والتي تفصل العلاقة بين السياسة والدولة، إذا وجدنا مثقفا عربيا مثل مونتسكيو، لا يقرأ كي يحدثنا عن ما قاله الغرب أو ما حدث للعرب كما قلد العلماني فرح أنطون المستشرق رينان. ولكن يقرأ كي يبتكر النظرية الجديدة، إنما المثقفين العرب في معظمهم ومشكورين على جهودهم، لا زالوا يقرؤون إما بالنقد وإما بالتقليد هربا من ثمن التفكير الإبداعي.

 

ذلك التفكير الذي مثل فقده منذ قرون، هذه المحنة المطلقة للعقل العربي الحديث.

 

 

 



إقرأ أيضاً:


شارك:
  • Twitter
  • Facebook
  • del.icio.us
  • Google Bookmarks
  • Digg
  • Print
  • email

عدد التعليقات: 2

  1. 13 نوفمبر 2009

    أدعوكم إلى قراءة حوار مع المؤرخ جورج صليبا حول كتابه « العلم الإسلامي وصنع النهضة الأوروبيا »، الذي يتناول فيه أسباب تطور العلم في الحضارة الإسلامية من وجهة نظر اجتماعية.

  2. 23 نوفمبر 2009

    شكرا على المرور أخ بنجامين، سجلت مدونتك في المفضلة، فهي ثرية فكريا، جميل قلمك، وفقك الله :)