جودة الحياة السعودية
التكوين الحضاريجاءت السعودية في إحصائية عالمية لعام 2008 في المرتبة 171 وفقا لترتيب مؤسسة “إنترناشونال ليفينج” ، بعد دول عديدة تزداد فيها معدلات الفقر عن السعودية، كالشقيقتين مصر وسوريا وتونس التي احتلت المرتبة الأولى عربيا في الترتيب السابع والسبعون.
هذه إحصائية مقاربة ولا تعبر بالضرورة عن الواقع الحقيقي، فضلا عن المفهوم النسبي لجودة الحياة والذي انتشر أمريكيا بمعنى طريقة تعامل الفرد مع الحياة.
وهذه الجودة تبنى على أساسين هما ثقافة شخصية واحتياجات مادية، تتولى الدولة أهمية توفير البنية الإدارية لتحقيق الاحتياجات المادية، المشكلة المعقدة أن هذه البنية الإدارية تخرج من المجتمع وليست من كوكب آخر، والسؤال المزعج هو : كيف يمكن لأول دولة نفطية في العالم وتعتقد أنها منبع الإسلام، أن تتبوأ المرتبة 171 عالميا ، وأفترض أن الواقع أسوأ من ذلك.
المواطن السعودي يملك عدة امتيازات مفترضة :
- الثروة النفطية
- ثروة المقدسات الدينية
- الاستقرار السياسي
بعد هذه الامتيازات التي يحلم بها الفلسطيني والمصري بل وحتى الرجل الأوربي كيف يصبح المواطن السعودي في المراتب الأخيرة، بل كيف تتفوق علينا عدد من الدول الفقيرة؟
نعود دائما بالشكوى والتذمر المبالغ فيه على السياسي وحده، ونضع دائما مسؤولية كل كارثة على السياسي وحده، المشكلة أننا بحاجة إلى من يرشد الشعب ويعلمه جودة الحياة، سواء كان السياسي أو المفكر أو القائد، ليس على طريقة لا تحزن بل على منهج كيف تتعلم وتعمل بشرط أن تبدع، لأن كل مشكلة في الحياة تبدأ من عقل الإنسان نفسه، لا من الشيطان ولا من الدول المتآمرة.
مشاكلنا في جودة الحياة كثيرة، ثقافة التعامل مع الذات، ثقافة التعامل مع الآخرين، تنظيم الوقت، التعليم وتطوير المهارات الشخصية، وغيرها. كل هذه المشكلات لا تحل سوى في المجتمع المدني وليس في المجتمع المديني الذي يتشبه بالمدنية دون جدوى ولا في المجتمع الصحراوي والقروي الذي لا يقبل بالمعطيات المعقدة للمدينة، ولا يقبل إلا بالحياة السهلة المتجانسة التي نراها جلية في البادية ثم ينهار بنا المجتمع بتعقيداته كما يحدث اليوم.
المملكة وضعها أكثر تعقيدا من أي دولة، فهناك مدن رئيسية يمكن أن تتيح الحياة الكريمة للمواطن ولكن هناك قرى وهجر ومدن صغيرة لا ترقى لمستوى المدنية، الاهتمام بكل ذلك من قبل السياسي والإشراف عليه بشكل مباشر ضرب من الأوهام، الحل هو تكاتف عدد كبير من أفراد الشعب لحل المشكلات الإدارية للمؤسسات الحكومية والخاصة، وهذه مشكلة تعود للتعليم ولنوع التعليم.
الشركات السعودية لا تحصل على شهادات عالمية في الجودة إلا في حدود ضيقة جدا، القطاعات الحكومية تمثل الشكل القرن أوسطي للقطاع الخاص في صور متعددة وكل ما نراه من صور مبهرة ليست إلا استيراد لآلات عبر ثروات الطبيعة فالفكر يعود لمئات العصور القديمة، إلى حالة الإنسان البدائي. هذه القطاعات هي التي تؤسس البنية التحتية للمجتمع، تيارات كبيرة من المجتمع غير متعاونة مع هذه المؤسسات تلقي عليها اللوم والتوبيخ والقرع الدائم دون إنتاج إبداعي، وكلنا سواء في هذه المعمعة، علمنا أم لم نعلم.
حصول المواطنين على شهادات الدراسة العليا نادر أو قليل، عدد الأميين كبير جدا وبإحصائيات متعددة، عدد الحاصلين على شهادة الثانوية في المدن الرئيسة، أكبر بكثير من عدد الحاصلين على الشهادات العليا، عدد كبير من مواطني القرى التي تفوق في عددها الحواضر الخمس، حاصلين على درجات دنيا من التعليم بعضهم يصل إلى الابتدائي وبعضهم إلى المتوسطة. عدد كبير جدا من المواطنين في العسكرية ومعظم غير متعلمين وجدوه حلا عمليا لمشكلة فقد التعليم.
لا عبي الكرة الذين ضروا أكثر مما نفعوا هم نجوم المجتمع، تصرف عليهم المليارات المحرمة، بينما المثقفون مات أحدهم منتحرا من هم الديون.
تيار ديني متشدد يحرم أكثر مما يدع الحلال، ويحث بصمته وطريقة تفكيره المغرقة في الولاء والبراء على الإرهاب، الاختلاط محرم بخلاف السنن الكونية للمجتمعات المسلمة والإنسانية لذلك شعبنا الأكثر طلاقا في العالم والأكثر عنوسة، ولا يستطيع التيار التحريمي الاعتراف بهذه الإحصائيات، ويعتبر المتحدثين بها مرجفين ويشكك حتى في عقائدهم. معظم وسائل الترفيه محرمة، يعيش المجتمع في ازدواجية مفرطة، يحرم الغناء ويباع في الأسواق ويتبناه السياسي الرسمي، تحرم الأفلام والسينما وتباع في الأسواق ويعرض أكثر منها في القنوات، تحاصر المرأة وكأنها مرض يصيب الآخرين بالسعار الجنسي، ثم نجد الخادمة تأتي من غير محرم ونجدها تذهب مع السائق والإختلاط محرم. أصيب الشعب بالكبت فضلا عن اجتياح الإباحية العالمية القادمة من الغرب، فلا ترى الرواة إلا وهاجسهم الجنس ولا يرون عدوا غير التشدد الديني وحده، وعند نقد التشدد، يتحول الناقد لهذا التشدد والتخلف إلى علماني وليبرالي حتى عند العامة التي لا تعرف هذه المعاني.
كل هذه المشكلات المعقدة تذهب بنا إلى مشكلة واحدة يتوجه لها كل الاهتمام وهو الجهل الثقافي بحياة إسعاد الذات، اللبناني يقتل أخوه اللبناني - تعميما - ولكنه يقابله بالأحضان والقبلات، فهو شعب يملك ثقافة في التعامل مع الآخرين، حتى مع عبث الاختلاف. بينما المواطن السعودي يفتقد في الغالب منطق التعامل مع الآخرين بسبب التكوين البدائي البعيد عن البحار وعن التعدد الإنساني. حقائق كثيرة نعاني من مواجهتها فنبقى في سلاسلها مقيدين.
لم يخرج طوال مائة عام بطل لهذه الأمة سوى أفراد من آل سعود أسسوا هذه الدولة المهمة، منذ تلك الأحداث لم يخرج من الوطن من يرشده، وعندما ابتلينا بما يسمى بالصحوة الغافية بعد حرب الخليج خرج إلينا الإرهاب والتحريم والتشدد والكبت والمشكلات الوحشية عبر التفكير الشمولي الذي يرى المجتمع غير ناضج بحاجة للناصحين، بدلا من تربيته وتعليمه كي يعتمد على ذاته. حتى العقلاء في المجتمع ابتلتهم المراهقة الاجتماعية، لقد أانتقلنا بمنظور علم الاجتماع إلى مرحلة المراهقة وهي أقرب للميتافيزيقيا عند أوجست كونت والتي يبدأ فيها المجتمع بمحاسبة الأفكار “اللاهوتية” أو الكهنوتية المغرقة في الدين لينتقل إلى مرحلة التساؤل والتفكير ولكن لازلت هذه التساؤلات في طور التكوين.
كنا في مرحلة الطفولة والآن نعاني مع مرحلة المراهقة، هذه هي الحقيقة الحية، ولعلنا نخرج من هذه المرحلة الحاسمة إلى نتيجة مأمولة في جودة الحياة.
من المشكلات القائمة، هو التعليم الإلزامي ونوع التعليم، بل والتجنيد الإجباري للشباب الذي يتعلق بمشكلة أمنية تعيدنا إلى مشكلة التعليم. حتى مشكلة قيادة المرأة للسيارة وتمكينها من العمل سبب فقدانها الكثير من الخسائر الاقتصادية والاجتماعية للوطن وجعلت من هذه المرأة المسكينة التي يرونها درة مصونة، عالة على الوطن وكأننا لازلنا نعيش في تلك الخيمة الفارهة بالمكيفات والنجفات الكهربائية.
ولا زلنا نعيش مشكلات أكثر تعقيدا مع جودة الحياة، فالمواطن يستلم راتب بمتوسط 4000 ريال، وهو خرافي نسبيا مقارنة بعدد كبير من دول العالم بناء على قاعدة العرض والطلب، إذ يمكن لهذا الراتب أن يبني به صاحبه منزلا ويشتري سيارة ويتزوج، المشكلة تكمن في إدارة المال والوقت، ولكننا شعب يميل في العموم إلى الجحد والاتكال ويعمل مجبرا لتوفير لقمة العيش، ومع ذلك فهو أيضا يتعلم بحكم الجوع والحاجة. صحيح أن هذا الدخل شحيح مقارنة بالثروات القائمة في الوطن، وأن هناك الكثير من اللصوص والفاسدين والمرتشين والكل يتصارع ليتسيد حياته بالمال وصحيح بأن هناك مشكلة فادحة في توزيع الميزانيات التي تقدمها الدولة للقطاعات الحكومية والخاصة، وهي بأرقام فلكية لكل قطاعات التعليم والصحة وغيرها.
ولكن ماذا نفعل، هل نظل نبكي ونلطم أم نحاول أن نجد حلولا شخصية لأنفسنا؟!
هنا نعود لمشكلة الأفراد، فكل شخص يبدأ من نفسه يستطيع أن يجد حلولا قائمة خاصة بالتعليم والدراسة، الكفاح سنة الحياة، والرفاهية لا تعني البقاء دون تعليم أو عمل.
الملك عبد الله يقوم بأعمال عظيمة ورائعة ومدهشة جديدة حتى على العالم، مدن اقتصادية وجامعة علمية عالمية، وسبعين ألف مبتعث، ودماء شابة وجديدة في الوزارات بل وحتى محاربة عملية جديدة للتشدد الديني، ومع ذلك لا زال هناك متشائمين بالواقع وبالحياة ينظرون أنه لا أمل في التغيير بل هناك من يحاربه ويرفضه، وذلك طبيعي في صراع المصالح والأفكار الميتة.
كتبت هذه المقال كنوع من العصف الذهني، ليس مقالا تقليديا، بل هو تعبير عن الكثير من المشكلات التي أرجو أن تحل بتثوير التعليم، وابتكار نوع إبداعي لا يستورد الآلات والمباني بل يصنع الأفكار كما أشار مفكر الحضارة مالك بن نبي.
هذه مشكلتا الكبيرة كي نكون من أوائل الدول في جودة الحياة، ثم ستأتي العظمة والسيادة، أرجو أن تبدأ من جديد كما بدأت قبل ألف وأربعمائة عام.
من هذه الجزيرة، نور يبعث من جديد على الظلام الذي يصارع النور، فإسرائيل الدمية الصغيرة غلبت بالتخطيط، فما الذي يمنع هذه الأمة من أن تعود من جديد إلى سيادة العالم.
سوى مشكلة طريقة التفكير، فلنتعاون بالعلم كي نقلع للحضارة.

غير معروف 25 نوفمبر
[...]
محمد الجرايحى 25 نوفمبر
أخى الفاضل: ماجد الحمدان
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مقالك لن أقول لامس الواقع سواء فى المملكة أو فى الأقطار العربية ولكن نغمس فى أعماق الواقع المؤلم.
أخى: رغم كل الامكانات التى حباها الله لمنطفتنا العربية بل والإسلامية إلا أننا لم نتعامل معها بالشكل الصحيح.
جودة الحياة .. كلنا نأمل أن نعيش حياة جيدة طيبة ، ولكن ليس بالكلمات ولاالأمنيات.
كما أن الفرد العربى انسحب من واقع الحياة مرغماً ..كما أن النخبة المقفة انقسمت على نفسها هناك من أنسحب وتقوقع على ذاته رافضاً الواقع.
وهناك من ارتمى فى أحضان السلطة.
أعتقد أن الأمر أصبح معقداً….
تبل أخى تقديرى واحترامى
أخوك
محمد
نوره 25 نوفمبر
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته :
اخي الفاضل ماجد
اعتقد ان كثير من مشاكلنا يتحملها السياسي خاصه وان الحكومه مسيطره على معظم المؤسسات الحكومية والاهليه ايضا وبيده السياسي ان يغير من وضعنا الذي بين مطرقه وسندان بين النتشددين الذي ساهمت الدوله في دعمهم كثيرا منذ اكثر من 30 سنه ثلاثون سنه لو يتغير شي سوى في خلال االخمس سنوات الماضيه التي حكم فيها الملك عبد الله فقط في خلال هذه الفتره استطعنا النهوض قليلا وشهدنا الكثير من الاصلاحات الغير متوقعه حقيقا اخرها جامعه الملك عبد الله . ونعيش في الوقت نفسه من صراعات فكرية بين الاصلاحين ولن اقول اللبراليين وبين المتشددين الذين يردون اغراق الوطن والمواطن في الخزعبلات والافكار الظلاميه المعركه حامية جدا في الطرفين واتنى ان يحصل تغيير مغاير جدا .
واتمنى ايضا من السياسي انيترك دعمه للمتشددين واعطاء الفرصه للا صلاحيين الذين يريدون اخراج المجتمع من قيود المتزمتيين الذين سيطرو على عقولنا وحياتنا منذو سنين طويله ليبصرو على الحياة التي من المفترض ان يعيشوها . الا انني لا ارى اي فرد من الاسره الحاكمه يرد فعلا تغيير حقيقي للمواطن سوى الملك عبد الله على عكس البقيه الذين مازالو يناصرون المتخلفين ويقفون وراء ظهورهم دائما بانتظار الفرج عما قريب باذن الله …
تحياتي لك ,,
أحمد الزنارى 26 نوفمبر
بعد قراءة مقالة أخى أحببت التعليق على عدة نقاط
أولا قد يكون الغنى نتيجة هدايا ربانية للبلاد كالبترول و المعادن و الثروات الطبيعية و قد نجد بلادا تتمتع بالغنى و التقدم و هى لا تملك شيئا من هذا كاليابان مثلا .
ثانيا بدلا من صرف الملايين على لاعبين الكرة لو استثمرت هذة الأموال فى مشاريع استثمارية لرأينا فرقا كبيرا بالطبع لا أقلل من شأن اللاعبين و لكن لا يصحو أن يحصلوا على الملايين و يحصل باقى الشعب على الملاليم .
ثالثا و أخيرا أنتم فى نعمة لايشعر بها الكثير ففى بعض البلاد ومنها مصر للأسف لا يتعدى راتب الكثير العاملين الحكوميين 500 جنية أى ما يعادل 325 ريالا تقريبا و من يحصل ألف جنية يعتبر من المرفهين .
مع خالص الاحترام و التقدير
أحمد الزنارى
الشجرة الأم 26 نوفمبر
مفهوم الجودة في عالمنا العربي .. لا يطبق بالطرق الصحيحة مع الأسف .. وأكثر الشكرات التي مررت عليها لاحظت أنها تعلق شهادة الآيزو بكل فخر .. ولكن طريقة سير العمل طريقة تقليدية، وعندما أتقصى عن الأمر، أجد الإجابة أن هذه الشهادة ندفع لها لنأخذها، ليس إلا.
أما جودة الحياة بشكل عام في الأمة الإسلامية العربية فهي تكاد تكون منعدمة لأسباب كثيرة ذكرت معظمها، لكن أهم سبب في اعتقادي هو فقداننا هوية اللغة، فنحن العالم العربي الذي نمتاز بوحدة اللغة من المحيط للخليج بتنا نستعر من لغتنا العربية الفصحى، والتي هي اللغة الخالدة في الفردوس الأعلى، واستبدلناها باللغة الإنجليزية بسبب العولمة، والتي تكاد تكون اللغة الأم في عالمنا العربي بسبب الأعمال المرتبطة بها عالميا..
ماجد الحمدان 2 ديسمبر
عزيزي محمد
مرورك جميل، وبقدر ما يتعقد الواقع بقدر ما يزداد التحدي لمحاوله فهمه والعمل على تغييره.
مع بالغ الإحترام والتقدير
ماجد الحمدان 2 ديسمبر
سيدتي نورة
أشياء كثيرة لا نستطيع عرضها وإلا تسببنا لأنفسنا بالمشكلات، أعلم عمن تتحدثين ممن يحمي المتشددين، ولكن وبمنطق نظرية الألعاب يمكن تغيير الواقع.
مرحلة الملك عبدالله أخشى أن تنتهي سريعا، أحيانا أتمنى المزيد من التحديات كي تنتج من إدارته عدد من القرارات، ولكنني متفاءل في كل الأحوال، فقد بدأ الشعب تصيبه فكرة (التغيير) بعد أن ركن إلى دوام الحال.
علينا أن نتعاون جميعا بنشر الأفكار ، فهي ذات أجنة يمكن أن تطير وتغير الواقع للأفضل.
كل الشكر والتقدير
ماجد الحمدان 2 ديسمبر
عزيزي أحمد
بدأ البعض منا يشعر بضياع الثروات، ولكن لازال المشوار لتغيير الأفكار طويل، أكثر ما يؤلمني هو الدعم الفاحش لرموز كروية تضر أكثر مما تنفع، ولكن الفشل الكروي كان جيدا لكشف ضعف الثقافة ، لعله بداية أخرى للتغير.
مع بالغ الاحترام والتقدير
ماجد الحمدان 2 ديسمبر
سيدتي الشجرة الأم
لغتنا العربية بحاجة لعقلية الأبتكار كي تتطور، فنحن نكتب دائما بالعربية، ولذلك فنحن بحاجة لإتاحة حرية الإبتكار في العربية، ولكن التزمت التقليدي يصر حتى على بقاء اللغة العربية كما هي دون تغيير.
كل الإحترام والتقدير ، وشكرا لتشريفك كتاب الزوار