ظل التاريخ الحضاري للإنسان، سلسلة من العبودية، إما للحق أو للباطل، هناك ما يشبه الغريزة في الإنسان، وهي الرغبة بالتجسيم، أو كما يسميها البعض بغريزة التجسيم!
كل إنسان يريد إلها يشعر بوجوده، النصرانية رأت الإله في عيسى عليه السلام، اليهود رؤوها في الشعب المختار، جيل الإنحطاط العربي رؤوها في الأصنام، مثلهم مثل البابليين والآشوريين، حتى العرب القدامى كانوا ينظرون إلى السماء فعبدوا الشمس والقمر والنجوم، أما الفرس فكانوا ينظرون إلى قادتهم كآلهة، وفرعون قرر لذلك أن يكون هو الإله، وأمم كثيرة كانت تبحث عن إله مجسم فإن لم تملك مالا لشراءه قام أهلها بصناعته من تمر أو طين أو ذهب، حتى أنزل الله نور الإسلام.
الديانة الوحيدة التي نزهت الله عن التجسيم هي الوحدانية الخالصة، التي نزلت على كل الأنبياء كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام، ومع ذلك لم يتوقف كثير من الموحدين عن ذلك، فخرجت عشرات المذاهب التي ينادي أهلها بالتجسيم بصورة أو بأخرى.
الكثيرون يعتبرون من يسمونهم بالوهابيين مجسمة، لأنهم يقولون بأن لله يد، رغم أن الوهابيين صرحوا بجهلهم بماهية تلك اليد وأقروا بعدم معرفتهم بطبيعة التجسيم الإلهي الكلي، كثير من الشيعة يقدسون رجالهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كتقديسهم للإمام الذي قد يصل بسلسلة متواصلة إلى علي بن أبي طالب وأبناؤه.
يبدو أن غريزة التجسيم لم تتوقف عند الإنسان، لذلك حرم الإسلام في العصر الأول بناء التماثيل كي لا تكون مسوغا للعبودية.
ما يحدث اليوم من تقديس لرجال الدين هو نوع لا شعوري من التجسيم، إنه لا يختلف عن التجسيم الصريح سوى أنه تجسيم عملي، فالكسل الفكري وضعف البصيرة لدى أغلبية التابعين عشاق العبودية يجعلهم حائط صد لأي رجل دين أيا كان مستواه، وما يحدث في السعودية من تقديس لرجال الدين لا يختلف عن ما يفعله الشيعة سوى أنه تقديس يرتدي عباءة الغيرة الدينية التي تبحث دائما عن أعداء تصارعهم بكل ما فيهم من أمراض الأعراب.
عشق العبودية وتقديس الماضي القديم واعتبار كل الصحابة منزهين أشبه بالملائكة، دون القدرة على نقدهم بمنهجية لا تتعارض مع ثوابت الإسلام، وكذلك استصغار كل رجال اليوم واعتبارهم أقزام مقابل الماضويين كالإمام الشافعي وابن حنبل والبخاري رحمهم الله، كل ذلك ليس إلا تقديسا لما هو غير مقدس.
السبب هو الجهل بكافة تجلياته، جهل كامن في أعمق أحشاءهم حتى لو جاء أحدهم ووجد له بعض المريدين واعتبروه شيخهم الذي يوجههم يمينا ويسارا.
هذه الفوضى التكفيرية التي تحدث هذه الأيام بين “الشيوخ السعوديين” لهي إثبات عملي وواقعي لإنهيار الكهنوت التقديسي أمام متغيرات الواقع الذي يتسارع إلى الأمام كأنه الأعاصير، دون قدرة حقة على فهم الإسلام كما هو دون عنف أو تطرف.
من لا يصدقونك سوف تتغير أفكارهم مع متغيرات الواقع، كنت دائما ما أصمت حين أرى من لا يصدق ما أقول فيحكم علي بالتشاؤم والسلبية بل وربما التخريب، ثم يعود لي بعد عام أو عامين ويقول لي صدقت يا ماجد، كنت حينها أخشى من الغرور لأنني رجل يكد لإدراك الواقع حى لو كان على حساب نفسه، ولكنني لم أكن أتوقف عن الضحك من كل قلبي.
تصديق الواقع وفهمه كما هو، ليس ترفا ذهنيا، لن تستطيع لمجرد قراءة مقال أن تستوعب كل شي حتى لا يقول لك أصدقاءك أنك لست ذكيا. عندما نصطدم بالكثير من الأكاذيب فأمامنا أحد أربعة مواقف : إما أن نجعل الواقع يغيرنا ببطء، أو أن نغير أفكارنا بسرعة ولكن بألم ممضي، أو أن نتطرف في الجهة المقابلة أو أن نصمت !
لقد اكتشفت أثناء حواري مع الكثير في هذا المجتمع، وهو حوار كان يلومني عليه بعض الأصدقاء، أن هناك من البشر من لا يريدون فهم الواقع كما هو يعشقون العبودية والتبيعة وتصديق الآخرين، وهؤلاء هم سبب الفوضى التي يعيشها الآخرون.
وإلا فطريق المدنية الكريمة سهل لو أردنا!

صديقي ماجد..
كنت في الصف الرابع الإبتدائي عندما سألنا مدرس الدين عن “يد الله فوق أيديهم” فقلت له بكل براءة وبفطرة تامة وبلا علم مسبق وهذا أمر طبيعي لشخص مثل سني، نطق لساني ببراءة تامة: “أي قدرة الله فوق قدرتهم” !
حينها نهرني المدرس وزجرني ونفى ذلك تماما وقال المعزوفة ذاتها “يد لا نعلمها من غير تعطيل ولا تشبيه ولا ولا ولا….”
لقد أدركت بعد تلك السنين أن الفطرة تخالف هذا القول الذي زجرني به المدرس وأن ماقلته هو الأقرب للفهم الصحيح ولمنطق العقل الذي رفع الإسلام من شأنه وحططنا نحن منه..
===
الدكتور محمد المختار الشنقيطي وببراعته في تخصصه بالسياسة الشرعية ولا شك أنك مررت على كتابه “الخلافات السياسية بين الصحابة – رسالة في مكانة الأشخاص وقدسية المبادئ” تحدث فيه بكل تقدير عن ضرورة التفريق بين الشخص والمبدأ وبين الوحي والتاريخ ووضع 22 قاعدة للتعامل مع ماحدث قديما مع الصحابة وأهمية دراسة ذلك للإستفادة منه في واقعنا..
أغلق باب الاجتهاد منذ قرون فاغلقت معه كل عقولنا وتجمد التفكير ودخلنا في حالة انحطاط فكري وأخلاقي وقيمي الله هو العليم بمآلنا ومصيرنا ان استمر غينا فيها..
كلام جميل منك أيها الماجد الى الأمام كما عودتنا
رعاك الرب
أخي الحبيب عقبة : كابدت مثلك في المدارس التي سرقها هؤلاء بجهلهم وطيشهم، اذكر أن أحدهم حرم الطائرة في وسط الحصة، وآخر كان يعتبر قتل الكفار واجبا.. لا أستطيع أن أقول أن مثل هذه العينة ليسوا بمجانين أو فيهم شبهة جنون.
أخي الحبيب عمرو : أنا سعيد جدا بوجودك وتشرفت بإطراءك أيها الجميل.
أنا قرأت رأي المعتزلة في صفات الله في احدى كتب محمد عمارة
بصراحة أجد انه كلام منطقي و مقنع
بأن الله ذات و لا قديم غيره
فهو قادر بذاته وليس قادراً بقدره و عالم بذاته وليس عالماً بعلم
فهو ليس بجسم ، ولا شبح ، ولا جثّة ، ولا صورة لحم ولا دم ، ولا شخص ولا جوهر ولا عرض ، ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسّة ، ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ، ولا طول ولا عرض ولا عمق ، ولا اجتماع ولا افتراق. ولا يتحرّك ولا يسكن ولا يتبعّض ، ولا بذي أبعاض و أجزاء و جوارح وأعضاء ، وليس بذي جهات ولا بذي يمين و شمال وأمام وخلف وفوق وتحت
إلى آخر ماقالوا
أهلا بك أخ عبد الوهاب
كنا نتعلم في المدارس ونسمع في قليل من الخطب أن المعتزلة حركة ضالة خرجت عن نهج السنة والجماعة.
بينما عبارة أهل السنة والجماعة لم تبتكر إلا في تلك المرحلة.
حركة المعتزلة كما سميت ورغم الاختلاف معهم في عدد من القضايا، غير أنها في نظري أعظم حركة عقلانية خرجت للأمة حتى عصرها.
كثير من تفسيراتهم كانت عقلانية ومنطقية، ولكنهم تطرفوا أحيانا بالعقل ، ويبدو أنه تطرف مقابل تطرف.
يعني أن المسألة تقبل الاختلاف، فما نسبته إلى المعتزلة يمكن اعتباره تصريح بالجهل بطبيعة الخالق، وهذا لا يختلف في النهاية عن منهج ما يسمى بالسنة والجماعة.
شكرا لك.
مقالتك جميله اتذكر في نقاش اني وقعت في غفلة من امري
بيد أحد المعتزله حيث كان يدرج مواضيع عن الله ونزاهته عن التجسد وهكذا وكنت اوافقه الرأي
لكنه علم اني سنية فكان برأيه ينصحنا من قولنا يد الله وهكذا ولم اكتشف حيلته الا لاحقًا
رغم ان رايهم عقلاني لكنهم يوغلون في الزهد وفي التقشف في اللفظ وكما قلت يتطرفون في العقل
شكرًا لك
يا أهلا بك..
بسبب حياتي في بلد سيطر عليه تيار واحد في وقت ما، لم أتمكن من التعود على التعدد المذهبي، كنت استغرب من وجود معتزلة إلى يومنا هذا.. ولكن بعد تعرفي على الإنترنت تبين لي أننا نعيش في واقع مغيب.
ولكن حتما فالمعتزلة القدامى ليسوا كالمعتزلة المعاصرين، كما هم السلفيين ليسوا هم القدامى.
فمثلا هذا الاعتزالي -ربما- يحاول دعوتك وكأنك ضالة لأنك في ظنه مجسمة.. المسألة لا تحتمل ربطها بالعقيدة، فهي قضية خلافية جدلية لا تحتمل أن ترتبط بتحديد ضعف الإيمان من عدمه ، فثوابت الإسلام معروفة، والاختلاف في هذه الأمور رحمة ، ولكن التزمت في الاختلاف لعنة
تحياتي لك ولمرورك الجميل أخت نوفة.