للمرة الأولى يحل عليكم المدون المعروف عقبة مشوح، ضيفا على المدونة في هذه الأيام، وهو صاحب قلم مبدع ومشروع فكري يرنو إلى السمو والإرتقاء، يدون لنا عن موضوع مشوق يثير الشجون ، وفي عمقة إثراء علمي كبير.
مشكلتان تواجهني باستمرار مع مثل هذه النوعية من الكتب، أي تلك المترجمة من لغة أخرى إلى العربية وتتحدث عن العالم العربي أو الحضارة الإسلامية.
1- الأولى هي الترجمة أو التعريب فبحسب أحد المفكرين فهنالك ثلاثة أنواع من الترجمة: ترجمة تحصيلية – ترجمة توصيلية – ترجمة تأصيلية ، ومأزق أغلب الكتب المترجمة إلى العربية أنها تحقق النوع الأول وبالكاد النوع الثاني بقلة منها، أما النوع الثالث فلا تكاد تجده إلا لماما هنا وهناك فهو أندر من أن تقراه حتى. ولهذا عوامل عديدة منها ما هو اختياري ومنها ما هو اضطراري كتعقيد اللغة العربية وصعوبتها والتي تجعل الترجمة لها تختلف اختلاف جذري عن الترجمة بين اللغات اللاتينية التي تشترك في الكثير من القواعد (سواء كانت جرمانية أو لاتينية) وأيضا ضعف مستوى المترجمين أو عدم إتقان العمل ومراجعته من قبل آخرين أو السرعة في إخراجه وكذلك عدم الاتفاق على توحيد المصطلحات الحديثة وتخلف ركب اللغة العربية وتقاعس اللغويين عن ذلك ضمن منظومة التخلف المترابطة الواقعة بنا.
وأحيانا تكون الترجمة وبالا بأخطاء فادحة مقصودة لها هدف باطني سيء مثل ما حدث في ترجمة “لويس عوض” لمسرحية الضفادع لأرسطوفان والتي كشف زيفها وعوارها اللغوي الضليع في العربية والإنجليزية العلامة محمود شاكر رحمه الله.
ومشكلة الترجمة التحصيلية واجهتني أيضا عندما ابتعت “مائة عام من العزلة” لجابرييل غارسيا ماركيز بترجمة “محمد الحاج خليل” والذي ترجمه بأسوأ مايمكن لمترجم أن يقوم له فلم يكتف بحرماني من الاستمتاع بالرواية لكنه أيضا أعطاني صورة سيئة عنها وعن ماركيز نفسه لأكتشف بعد ذلك ومن خلال الأخ الدكتور أنور الحازمي أن هنالك ترجمة أخرى لهذه الرواية وأفضل بكثير من السابقة وهذه المرة لصالح علماني والذي صاغها بأسلوب أجمل يصعد بها إلى الترجمة التوصيلية إن صح التعبير!
مع ذلك أزعم أن ترجمة كتاب “تاريخ ضائع” للكاتب والدبلوماسي الأمريكي “مايكل هاميلون مورغان” كانت جيدة بمكان يوصلها إلى النوع الثاني من الترجمة أي إلى الترجمة التوصيلية رغم وقوعها في أخطاء قليلة بالإضافة إلى عدم طبعها بطابع روح لغوية عامة مميزة تجعلك تعيش في تفاصيل الأفكار والقصص فتشعر أحيانا بأن ما تقراه مجرد نصوص صماء خرجت لتوها من فرن الترجمة اللاذع!
2- الأمر الآخر بالنسبة لهذه الكتب يأتي من حديثها عن الحضارة العربية والإسلامية أو عن المنطقة بلسان مستشرق يعتمد على خليط من المصادر العربية الكثيرة جدا والأجنبية كذلك ولا يستطيع بحكم عدم انتمائه وخبرته من تمييز الغث والسمين في هذه المصادر وبالتالي اختلاط الأمر عليه وإيراده لروايات ضعيفة أو أحداث مشكوك فيها أو غيرها من الشبهات التاريخية الأخرى.
وهاتين المشكلتين واجهتني بقوة في “المخطوط القرمزي” لأنتونيو جالا وبدرجة أقل في “تاريخ ضائع” لمايكل مورجان ولاحقا ستواجهني بتعقيد لم أخرج منه حتى الآن في السِفر الضخم “القوة والإيمان والخيال” لـمايكل مورين.
لذلك أنصح بعدم قراءة ترجمات الكتب الغربية إلى العربية إلا في اقل القليل ومما يجمع عليه الخبراء واللغويون في دقته ورصانته.. وإنما أنصح دائما بقراءة الكتاب الغربي بلغته الأصلية لتصل إليك الفكرة بشكل واضح وتستطيع التمييز فيها وتلقي الجيد منها وطرد السيئ ونقاشه.
فرغم الهدف النبيل لهذا الكتاب الجميل “تاريخ ضائع” والذي ذكرني جدا بـ “من روائع حضارتنا” للدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في استعراض الإنجازات التاريخية المادية والعلمية والأدبية لحضارة شامخة استمرت قرون عديدة في مغارب الأرض ومشارقها وكيف استفاد من هذه الانجازات رجالات النهضة الأوروبية والقرون الوسطى في البناء عليها واستلام الراية العلمية من بعدهم بل أكثر من ذلك في كشف سرقات بعضهم في الترجمة عن علماء العرب والمسلمين ونسب بعض الاكتشافات والاختراعات إلى أنفسهم زورا وبهتانا وإيراد ذلك بالأدلة والمصادر والأسماء.
إلا أن الكاتب وقع في بعض الأخطاء التاريخية والعلمية واللغوية -وربما بعضها من المترجم! لا ندري ونحتاج إلى مطابقة النص العربي مع الإنجليزي الأصلي- لكني ورغم استيائي من بعض تلك الأخطاء إلا أني وجدت نفسي ومع انتهائي من الكتاب أغفر للكاتب هذه الأخطاء -أو للمترجم!- والتي غاصت في بحر حسناته الكبير في استعراض منجزات الحضارة العربية والإسلامية وتأثيرها الكبير على العالم آنذاك ولمن أتى بعدها وكل ذلك بهدف تذكير الغرب -الذي كتب لهم الكتاب بالأصل! – بذلك التاريخ الضائع أو الذي ضيعوه ونسوه أو تناسوه وبفضله عليهم مما يوجب عليهم رد الفضل لأهله والاعتراف بذلك وبالتالي تجاوز مرحلة الكراهية والحروب وصدام الحضارات والتي تأججت مع أحداث 11 سبتمبر وغاب معها صوت العقل الذي أراد الكاتب إعادته من جديد بهذا الكتاب الرائع.
أغفر تلك الأخطاء لأسباب عديدة:
1- أن هدف الكاتب نبيل وأغلب المعلومات صحيحة وقيمة وهذا في حد ذاته أمر جيد ومقبول.
2- أن الترجمة ربما توقع في مشاكل لا علاقة للكاتب بها.
3- أن -وهذا أمر مهم- تاريخنا في أصله غير مجمع عليه بيننا وفيه الكثير من التزوير والتحوير والكذب مختلطا بالحقائق والروايات الصحيحة والمتعارضة والمؤلفات الشتى هنا وهناك.
4- كما أن تاريخنا وحضارتنا لا يعنيان ديننا -وهو أمر انتبه له الكاتب بذكاء فقال بالمقدمة انه لا يكتب عن الدين الإسلامي- وهذا أمر صحيح- لذلك فتاريخنا مليء بالبقع السوداء والمآسي والدماء والمصائب فليس هو بالصفحة الناصعة البياض ولا هو بالمرآة العاكسة للدين..هما أمران مختلفان، وحضارة عربية إسلامية ضخمة امتدت من غانة إلى فرغانة بمسافات شاسعة تجاوزت آلاف الأميال وضمت مختلف العروق والأديان والمذاهب والأجناس والقوميات من الطبيعي أن تحدث فيها هذه المشاكل والبلاوي والبقع السوداء.
إلا أن هذه المغفرة لن تمنعني من إيراد بعض الأخطاء هنا حرصا ألا نراها مرة أخرى في مؤلفات قيمة كهذه وكذلك إشارة للقارئ إليها وهو سيكتشف الباقي حتما بفطنته.
- مثل الإشارة إلى فرض الجزية على غير المسلمين حول العالم إجباريا طوال سبع قرون إلى حيث الفترة التاريخية التي كان يتكلم عنها في أواسط القرن السادس عشر.
- إغفال ذكر بعض المراجع لبعض النصوص التاريخية المقتبسة في الكتاب، والتي لاحظت تزايد إغفالها خصوصا في نهاية الكتاب.
- عدم التفريق بين السنة والشيعة في مواضع عديدة وكذا عدم الدقة في تحديد بدايات الانقسام الفعلي وتكون الفرق.
- وكذا أيضا عدم التفريق بين الشيعة وآل البيت في ثوراتهم ودولهم المختلفة.
- عدم الدقة في وصف تفاصيل بعض الأحداث كمعركة بلاط الشهداء على سبيل المثال.
وغيرها من الملاحظات والتي لا تنقص أبدا من قيمة الكتاب ولا تؤثر في هدفه وخطه العام.
وإدراكا من الكاتب لهدفه من هذا الكتاب فلم يتطرق كثيرا لهذه المشاكل بل كان جل تركيزه حول انجازات هذه الحضارة الممتدة عبر المسافات والأزمان وما أبدعته هي ورجالها في مجالات لا حصر لها.. في الفنون والعلوم والرياضيات والفلك والطب والأدب والشعر والمعمار والهندسة وبالمدن الحضارية الكبرى التي قامت في أرجائها المختلفة.
حيث يستعرض “مورجان” في ثمانية فصول مع مقدمة وخاتمة أهم انجازات العرب والمسلمين في مجالات عديدة كالفلك والرياضيات والطب والعمارة والفنون والعلوم والاختراعات المختلفة وذلك من خلال سيرة العديد من العلماء البارزين وربما غير البارزين ممن تسمع بهم أول مرة كابن زهر والزهري وابن فرناس وابن النفيس وابن حيان والخوارزمي والطوسي وابن ميمون وغيرهم الكثير.
وكل ذلك بأسلوب جديد ولطيف حيث يبدأ الكاتب الفصل بقصة من العالم الحديث تتعلق بموضوع الفصل لينتقل بعدها قرون إلى الوراء رابطا مابين هذه القصة الحديثة وكلامه عن انجازات الحضارة الإسلامية في هذا النطاق من العلوم.
كما ألقى مورجان الضوء على حاضرات العالم الإسلامي ودوله المختلفة التي قامت بين أرجاء الشرق والغرب وساهم نظامها السياسي في الازدهار الكامل لكل هذه الحضارة كدول المغول في الهند والصفويون في فارس والفاطميون في مصر والعباسيون في بغداد والأمويون في دمشق والأندلس.
يقول مورجان: “لقد كان تاريخ العالم الإسلامي يزخر بالاختراع والإبداع والأفكار العظيمة ويعزز قيم التسامح والتعايش، تاريخا يعج بالإنجازات الفكرية أكثر من أوروبا المسيحية في هذا الوقت ، تاريخا عاش فيه المسيحيون واليهود والهندوس والبوذيون معا يعملون ويزدهرون، إن الحضارة الإسلامية ألقت ببذور عصر النهضة الأوروبي وساهمت في ظهور الكثير من جوانب الحضارة الغربية والعالمية الحديثة”.
وقد صدق مورغان في ذلك. فتلك الحضارة المشعة من حولها ساهمت في دفع الأوروبيين وبشكل تدريجي للخروج من ظلام عصورهم الوسطى والثورة على الكنيسة ومن ثم استلام الراية من الحضارة الإسلامية مع بدء أفول شمسها وبداية عصر النهضة والصناعة هناك وذلك من خلال ثلاثة عوامل:
1- دولة الأندلس لمدة ثمانية قرون وباحتكاك مستمر مع أوروبا نقل لها عجائب هذه الحضارة وتطورها هناك وساهم نقل المنجزات إليها وترجمة الكتب فيها إلى وضع أولى بذور النهضة في أوروبا.
2- الحروب الصليبية: والتي كانت الاحتكاك الثاني الذي رأى فيه الأوروبيون منجزات هذه الحضارة وقاموا بنقل الكثير منها إلى بلادهم مع الرحلات المستمرة شمالا وجنوبا ومع قفولهم عائدين نهائيا بتحرير القدس.
3- بعد فتح القسطنطينية وإطلالة العالم الإسلامي على أوروبا من تلك النافذة والتبادل الذي استمر منذ ذلك الحين حتى ضعف وانهيار وجمود الحضارة الإسلامية لتستمر سنة التدافع ونواميس الكون والتي لا تحابي أحدا مسلما أو غير مسلم.
كانت التسمية بتاريخ ضائع ربما تعود لأمرين:
1- الأول لضياع هذا التاريخ الحضاري وتلك الفترة المهمة والغنية عن عقول الغرب وأوروبا وأمريكا في تعاملهم الحالي مع المسلمين ومع أنفسهم وحضارتهم فكان لا بد من تذكيرهم بهذا التاريخ الضائع من أذهانهم سهوا أو عمدا.
2- الأمر الثاني هو أن هذا التاريخ -كما يوضح المؤلف في نهاية الكتاب- ضاع عن هذه الحضارة الحالية، جمد في مكانه ولم يتكرر من جديد حيث كانت حواضر العالم الإسلامي في دمشق وبغداد والقاهرة واسطنبول ودلهي وأصفهان وغيرها مراكز استنارة وابتكار وإشعاع حضاري لا ينقطع فغدت اليوم جزءا من العالم الثالث والنامي والمتأخر وبكل ما يحويه من تخلف وجمود.
يأسف المؤلف بحق لأن التاريخ لم يعد نفسه، ويأسف على تلك الإمبريالية الغربية والأوروبية التي دمرت مراكز الحضارة تلك واستنزفت خيراتها وثرواتها في تمويل حملاتها العسكرية وكشوفاتها الجغرافية. بل انه يأسف بحق ويتساءل ما إذا لم تسقط تلك الحضارة الإسلامية وتتجمد في القرون الأخيرة وتتولى هي والصين والهند مهمة الكشوف والاختراعات والفتوحات تتقوقع أوروبا المسيحية على نفسها أكثر وأكثر.
لكن سنة التدافع هي الغالبة في النهاية وأمراض الموت التي لازمت تلك الدول والحضارات أتت من داخلها فقضت عليها وإن كررت تلك الدول والحضارات الجديدة تلك الأخطاء وشاع بينها الظلم خصوصا على غيرها فالموت والانهيار والاندحار هو مصيرها حتما وإن جاء ببطء.
أمريكا الآن والتي تتولى زمام الحضارة قدمت خيرا كبيرا للبشرية لكنها قدمت شرا كبيرا بالمقابل منذ عقود ومازالت ومازال الظلم يقع منها وبقوة على غيرها والأضعف منها فبلا شك ستسير عليها سنن الأولين في الفناء وستسقط كما سقط من قبلها الأمويون والعباسيون والعثمانيون والسوفييت وغيرهم وسيورث الله الأرض لمن يشاء ولن تجد لسنة الله تبديلا..
لا نقول هذا تمنيا ذلك الفناء لأمريكا -رغم كل ما سببته لنا من آلام وجراح ودماء- بل إن الخير الذي قدمته للحضارة والبشرية ومازال يطمعنا في أن تبقى وتقدم المزيد، لكن السنة غالبة والفناء واقع بلا شك مادام الظلم منها مستمرا حتى الآن وعلى أشده.
مع ذلك أعجبني ما قاله المفكر والقائد البوسني الكبير على عزت بيجوفيتش رحمه الله عن الغرب: “أنا شخصيا أعتقد أن طبقة رقيقة من المجتمع الغربي فاسدة ومتحللة وإن الغالبية العظمى من الناس العاديين يدرسون ويعملون بجد ويعيشون من أجل أسرهم، إن الغرب قوي والمجتمع الفاسد لا يمكن أن يكون قويا”.
وهي نظرة حصيفة من مفكر رصين يرى الأمور بمنظارها القوي ويفرق بين ألوان طيف الحضارة المختلفة والأمر في توازن دقيق إن غلب الشر فستسقط وإن غلب الخير فستستمر.
من الأمور الأخرى التي أدهشتني هي توافق ما قاله “مورجان” عن أبو حامد الغزالي وكيف دشن عصر الروحانية والصوفية السلبية في الحضارة الإسلامية في هبوط ملحوظ لعطائها وانجازاتها مع ما قاله المفكر الكبير على عزت بيجوفيتش رحمه الله في“نقد روحانية الغزالي الوافدة على المسلمين والتي أسهمت في صناعة قرون من الظلام للعالم الإسلامي مشابهة للعصور المظلمة في أوروبا”.
ويؤيد بيجوفيتش ملاحظة لجابريللي بأن الغذاء الروحي لمؤلفات الغزالي حرف العالم الإسلامي عن القضايا الواقعية -الاجتماعية وحتى عن العلم وصنع من القرون اللاحقة إسلام القرون الوسطى” (راجع كتاب نبت الأرض وابن السماء – محمد حامد الأحمري 32).
وإن كنت هنا أختلف قليلا فالغزالي بعطائه الكبير والذي إن شابه ما شابه من ملاحظات أشار لها بيجوفيتش وجابريللي والأحمري حول الصوفية السلبية، فقد كان الإمام الغزالي من بناة اللبنة الأولى في نهضة المسلمين بعد الفواجع المختلفة والتشرذم الإسلامي المجتمعي والسياسي وذلك بتأسيسه للقاعدة الإيمانية الروحانية والتي أكمل جهوده علماء وقادة آخرون وصححوا بعض أخطاء الغزالي إلى أن ظهر صلاح الدين واستعاد القدس.. قد تكون تلك نهضة مؤقتة واستفاقة قصيرة لكنها أدت ما عليها وحققت هدفها.
لقد آتت الحضارة الإسلامية ذلك الأُكل الطيب يوم أن كانت خليطا متمازجا من شتى الشعوب والأجناس والأعراق اختلط كله بثقافة الإسلام وجعل المعيار في التفاضل هو التقوى لا غيرها فأبدعت وأنتجت، ويوم أن تفرقت وأصبحنا دولة القبيلة والعشيرة والعائلة والعرق النقي وآرية جديدة تنافس آرية هتلر أصبحنا في مؤخرة الأمم نلهث ولا نلحق إلا فتات العظماء.. عظماء مثل أمريكا التي لم تميز في داخلها وأصبح رجل أسود، رئيسا لها وجعلت معيار التفاضل بين أفرادها هو العلم والعطاء والإبداع والاختراع لا لون أو دين أو عرق أو جنس.. هكذا بشكل عام وإن كان في التفاصيل هنالك بعض الشبه التي لا تؤثر كثيرا. لذا لا تعجب إن قلت لك إن أكثر من 60% من العلماء والرجال الذي قدموا الكثير للحضارة الإسلامية فنونا وعلوما واختراعات قدموا من الشرق من فارس وبلاد ما وراء النهر وحين تبحث تجد أن مساهمة العرب لم تكن ضخمة بالشكل الذي نتصوره فهم وقتها انشغلوا بالسياسة والحكم وكانت الأمة ممتزجة ومتسامحة بحيث لم تميز بين مختلف الأعراق إلا عندما حلت مرحلة التخلف والانهيار.
أخيرا فإن التغني بالأمجاد والنوم عندها والاكتفاء بها هو شغل العاطلين والكسالى ممن لا يرجى منهم أي تقدم أو نهضة لكنها كما قلنا وسيلة لاستنهاض الهمم والنفوس لإكمال المسيرة ..مسيرة عمارة الأرض والسير فيها كما أمرنا الله عز وجل لا العزلة والانطواء على النفس والانغلاق أمام العالم والذي سرعان ما نذوي به ونذبل ونموت. ووسيلة أيضا لحوار الحضارات وردم الهوة بين العوالم المتصارعة، والإنسانية التي تهدر دمها باسم الدين وهو منها براء. وهو وسيلة أيضا للتذكير بعطاء قديم ومعرفة متراكمة وخبرات متوارثة لا بد يوما أن يكمل مسيرتها من هم أهل لها.
وتحسب أنك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر
آخرون كتبوا:







السلام عليكم ..
المشكلة أن التقصير كان منا نحن المسلمون فلم نقم بترجمة تراثنا الإسلامي والحضاري بطريقة مقننة مما دفع الآخرين للترجمة حسب مففهومة وأغراضه التي لا نعلم بها.
فالمستشرقون قد لعبوا دورا كبير في القرنين المنصرمين لمحاولة كبح جماح الإسلام أولا وثانيا محاولة تحويل دعوة الرسول التيت لكل العالمين إلى دولة محمد فقط حسب وجهة نظرهم.
أشكر للأخ ماجد هذه الإستضافة الطيبة وهذه الفرصة التي نلت شرفها وأتمنى أن نستنير أكثر وأكثر بفكر وكتابات الأخ ماجد القيمة جدا ذات القوة الناعمة
أختي أم الخلود..
أنا أعتبر الترجمة أساس النهضة وهذا ماأدركه هارون الرشيد وخلفه المأمون وغيرهم فأعطوا لها اهتماما عميقا وأنشئت من أجلها دار الحكمة في بغداد وهنالك دار حكمة أخرى انشئت في القاهرة في عهد الفاطميين ودور أخرى في الأندلس والسند وغيرها..
كان الكاتب يعطى وزن كتابه ذهبا..
كانت السلطة السياسية تساند النهضة تلك وتدعو لها وتشجعها أي باللغة العصرية تعطي اهتماما وقيمة للبحث العلمي..
في عصرنا الحالي برزت الدكتور سلمى الخضراء الجيوسي في الترجمة بين الاتجاهين في مجال الأدب ولو أني لم ارض على بعض توجهاتها المنحازة..
عموما هذا موضوع يطول.. وأشكر لك مرورك وتعليقك
(حملة الجسد الواحد)
أرجوا من المدونين الموقرين أن يضعوا شعار الحملة في الشريط الجانبي لمدوناتهم تضامنا مع أمة محمد !!
صورة الشعار .. في مدونتي كركر .. ويكتبون فوقها ..
(حملة الجـسد الواحـد)
رابط المدونة
http://krkr111.blogspot.com
جعله الله في ميزان حسانتكم .. آمين
عرضك جميل للكتاب و لمشاكل الترجمة أيضا
في علم الترجمة هناك تقسيم لمدى صعوبة ترجمة مجال عن الآخر، فمثلا ترجمة الكتب التخصصية العلمية هي أسهل بمراحل من ترجمة الكتب الأدبية، وهي تعتبر من أصعب المجالات في الترجمة، و يأتي الشعر في قمة الفروع الأدبية التي يصعب ترجمتها.
مع ذلك تشاهد أن معظم الترجمات هي للكتب أدبية، بل و تجد أكثر من ترجمة لنفس النص الأدبي غالبها ردئ ويقل الجيد منها، عدد كبير من الأعمال الأدبية والفكرية يتم قتلها بعد ترجمتها، و لدينا الكثير من الأمثلة.
نحتاج لحنين بن إسحاق آخر في هذا العصر.
نأتي للأمر الآخر وهو عرض الكتاب الذي يتحدث عن تاريخنا الضائع، النقطة التي ذكرت حول الغزالي وإعتبار “تهافت الفلاسفة” أسس لمرحلة عصور الإنحطاط، هذه المنهجية بدء بها المستشرقون و من ثم استخدمها عدد من المفكرين المعاصرين أمثال مالك بن نبي، و الجابري وغيرهم، ونتج عنها بشكل عام إهمال الدراسات التاريخية الحديثة التي تنفض الغبار عن هذه الفترة، و بالحكم عليها بالجمود و “الانحطاط”، وبأن حملة الغزالي على الفلاسفة نتج عنها معرفة الفرق ما بين الفلسفة اليونانية و العلوم الحديثة، لكن انتقال العلوم من المشرق إلى بلاد فارس و أواسط آسيا والتي وقعت تحت الاستعمار زمناً، ثم غرقت في مشاكلها الداخلية ساهم في تجاهل دورها الحضاري، و بالتالي سقوط مرحلة من مراحل الحضارة الاسلامية.
ماسبق ليست فكرتي بالطبع إنما هي منهجية المؤرخ جورج صليبا، والتي حاولت مناقشة إشكاليتها و صحتها مع عدد من المؤرخين، فأكتشفت أن تلك الفترة غائبة لديهم و بغياب وقلة البحوث والدراسات حولها باعترافهم.
اهلا خنساء
شكرا لتعقيبك القيم..
فيما يتعلق بالجزء الثاني منه..
الحديث كان حول الغزالي وكتابه الاشهر “احياء علوم الدين” وليس “تهافت الفلاسفة”..
ماخذ الكثير حول الغزالي ومنهجه كان هو تلك الصوفية السلبية التي تقعد بالانسان عن العمل وعمارة الارض وبالتالي النهضة والحضارة مما يعني توقفها والدخول في العصور المظلمة..
وهذا ماقال كل من بيغوفيتش والغزالي والاحمري وغيرهم ممن ذكرتيهم.. الا ان الحديث عن الفلسفة امر اخر فجهود الغزالي فيها اكبر من ان يقلل منها.. وهو بحق وصل الى لبها..
وحتى في قضية الصوفية يرى ماجد عرسان الكيلاني ان جهود الغزالي كانت لبنة اولى في طريق النهضة الذي صنع جيل صلاح الدين كما تعرفين..
تلك فترة معقدة بحق وفيها الكثير من النزاعات والصراعات والتحولات والتمازجات حتى شبهها البعض بوضعنا الحالي في الانقسام والتخلف ليآتي هؤلاء الثلة ويبنوا طريقا طويلا استمر لعقود قبل ان تعود الامة للانحطاط مرة اخرى..
ورغم اني ضد الفكرة المتهمة للغزالي الا انني ضد الصوفية السلبية كليا لانها بالفعل تقعد عن النهضة والحضارة والتطور والتقدم بل ان بعضها مالئ الاعداء وعاونهم وقعد عن الجهاد فكانوا وبالا على الامة..