هل خرج النموذج الحضاري المثالي عبر التاريخ؟

في ظل العلمانية الغربية ينعم الغربيون وحدهم بأفضل نماذج العدالة عبر التاريخ، برلمانات، شفافية، احترام، قانون يعلو على الرئيس والمرؤوس، وغيرها من قيم عظيمة ولدت من عصر التنوير القائم على أنوار الفكر الإسلامي كالمذهب المالكي الذي كان جوهرا لوثيقة حقوق الإنسان الفرنسية.

 

 

قدم الغرب إنجازا علميا جامحا، تفوق به على كل حضارات الدنيا، ويكاد يسبق المستقبل، وقد بنى معظم إنجازاته على البذور التي صنعها المسلمون، والمسلمون بنوها على أجدادهم الإغريق ومعهم السريان والصينيون وغيرهم، وسرق الكثير من الغرب أعمال المسلمين فيما بعد مثل كوبرنيكوس بصورة مباشرة، وأخذوا بصورة غير مباشرة مثلما فعل إسحاق نيوتن، ولكنهم تفوقوا عليهم بصورة لافتة، وأصبح أجدادنا مجرد قاعدة تأسس عليها التاريخ الحديث.

 

 

اليوم وبعد حروب طاحنة، قتل فيها النصراني أخوه النصراني، ودول ساهمت في تأسيسها عصابات ومرتزقة ومجرمين كأمريكا واستراليا، فضلا عن رجال الليبرالية الأمريكية الكبار أصحاب الأبحاث الحقوقية والتي لا أجد اليوم من أهلها في بلادي سوى القليل منهم كعبد الرحمن اللاحم صاحب القضايا الشهيرة ضد النظام القضائي المحلي، وغيره من أبطال ممن دونوا أبحاث في قضية المجتمع الإسلامي الحقوقي.

 

 

لقد تحدث أيضا فؤاد الفرحان عن العالم الأول الذي أشار إليه سمو الأمير خالد الفيصل، فقدم الصورة العملية الحقيقية للمجتمع الغربي العادل، ومع ذلك لا زال في مجتمعاتنا وتحديدا من الأخوة والأخوات المحسوبين على التيار الإسلامي ممن يصرون على الممانعة المطلقة أو الشبه مطلقة، ولا ينظرون في الغرب إلا بأخس ما فيه، ويذكروننا بأمجاد الإسلام دون النظر إلى العظمة التي وصل إليها الغرب في الحقوق والعدل. ويخشون دائما على الهوية من التغيير، فيضطرون تلقائيا إلى الممانعة المطلقة أو ما يشبهها.

 

 

نعم .. إعلان حقوق الإنسان العالمي الصادر من الأمم المتحدة هو منقوص ولا ينصف المرأة ويعطي الشاذ حرية الشذوذ، ولكن لا يمكن اعتبار المجتمع الغربي مفككا ومتحللا، فلو كان كذلك لما كان قويا كما أشار علي عزت بيجوفيتش، بل كما تؤكد كل علوم الاجتماع والإنسان والحضارة والتي تشير إلى موت المجتمع بعد إسرافه في الملذات وهذا ما لم يحدث جليا في الغرب، أما الإباحية الجنسية فليست إلا قرارا وطريقة في الحياة، حيث أن المجتمعات المتحضرة القديمة حدث فيها أبشع من هذا، وبما أنها طريقة في الحياة فهي ليست قرينا للتحضر والقوة، والعرب والمسلمين بإمكانهم اختيار طريقتهم في الحياة العائلية والجنسية دون خوف من استيراد وتطوير المفاهيم الغربية الفلسفية.

 

 

لا زالت التيارات الإسلامية تنادي بدولة الخلافة، هذه الدولة ليست إلا حجرا في متحف التاريخ، فمن يقرأ أي كتاب للتاريخ عن الدولة الأموية والعباسية وخاصة العثمانية سيرى بنفسه بشاعة الاستبداد السياسي والظلم الذي مارسه الخلفاء عبر التاريخ، قتلا وذبحا وإرهابا بكل صنوفه، ومع ذلك فقد كان هناك جو من العدل كفلته تشريعات الإسلام، إنما دائما ما تخالف الشريعة الإسلامية فتصبح نسيا منسيا حين يقترب أحدهم من لعبة السياسة، فالقتل والاغتيالات والخيانة والتعذيب كانت عناوين كبرى لتلك العصور، أما القرآن الكريم الذي قسم التاريخ قسمين فأصبحت العبادة للخالق المطلق بدلا من عبادة المخلوق، فكان هو أول من بشر بحقوق الإنسان ونادى بتطبيقها وكفل حقوق البشر، غير أن تطبيق هذه الحقوق له جوانب كثيرة مثل المشاركة في القرار السياسي او الشفافية، أو فهم آليات الشورى والتي أكتفى القرآن الكريم فقط بالإشارة إليها دون تفصيل، كما أن كل هذه المعطيات وغيرها لا يمكن أن تتأسس بدون ثقافة حقوقية وهذه الثقافة لم تخرج سوى من رحم الفلسفة الغربية، والتي بنت أساسها الأول كما أشرنا على الفقه الإسلامي.

 

 

حسنا وذلك أيضا للإنصاف، فلم يمارس المسلمون استبدادهم كما مارسه الغرب مع أنفسهم ومع الآخرين، ولكنهم استبدوا بأنفسهم حتى وصلوا اليوم إلى ما هم عليه، إنما أنتقد في التاريخ الإسلامي ما جعلناه في مكان القداسة، بدلا من تحميله لحيز النقد المنهجي العلمي دون تطرف.

 

 

غير أن النظر إلى التاريخ دون استشراف المستقبل هو مشكلة كبيرة لا زلنا نأن تحت وطأتها، في مجتمع لم يعتد على حرية التعبير ويظن أن النقد مسبة وشتم وإهانة وبذاءة، كما حدث لعدد من مقالاتي اعتبرها البعض تسفيها لأنني تجرأت فنقدت شيخا فاضلا نقدا علميا، دون أن أسرف في مدحه والثناء عليه وإجلاله وربما تقديسه!

 

الأفكار المسبقة أيضا هي أخطر مشكلاتنا، فإذا انتقدنا الدولة العباسية حتى ونحن نتحدث عن أنوراها العلمية قالوا هذا علماني ساقط، وإذا انتقدنا الدولة العثمانية حتى ونحن نسرد إنجازاتها العسكرية قالوا هذا تغريبي منحرف، وإذا انتقدنا صحابيا كمعاوية بن أبي سفيان خرج عن شورى المسلمين قالوا هذا رافضي بينما الرسول عليه الصلاة والسلام قال لا تسبوا صحابتي ولم يقل لا تنتقدوهم، وإذا انتقدنا شيخا متطرفا يكفر المسلمين وحتى الفقهاء منهم، قالوا ما قالوا. ليس هناك ما يقبل النقد، كل شيء مقدس، كل شيء مسلم، فإما أن تكون معنا أو معهم، وليس هناك مجال للنقاش!

 

 

لذلك وفي ظل تركيبة فكرية لا تقبل النقد بهذه الصورة، عبر أفكارها المسبقة والتي تمتد إلى قرون غابرة تأسست على أفكار ميتة بمصطلح مالك بن نبي، فلن نستطيع أن نصل إلى حلول لمشكلاتنا التاريخية، وسوف نستمر في العداء الأحمق بين السنة وبين الشيعة وهم أخوان في الوطن والعقيدة واللغة، ودائما ما يعلو الصراخ على صوت العقل، حتى يقدر للأمة صوتا جماعيا عقلانيا يعلو على صوت الماضوية.

 

 

كما أننا لا ننقد هذه المشكلات إلا من واقع الهوية، ولسنا بحاجة دائمة إلى التمجيد والتقديس النمطي المعروف، فإذا قلنا أن دولة الخلافة حجر متحفي فذلك يعني أننا نريد البحث عن تصورات فكرية مبنية على الكتاب الكريم ومذكرته التفسيرية المتمثلة في الحديث الشريف، ولكن دون تقديس متطرف لتلك المذكرة، باعتبارها عملا كاملا لا يقبل النقد، وكي نتجاوز هذا التقديس المتطرف فنحن بحاجة إلى عقود أطول، ولكنها بدأت جلية في عصر الشابكة. كما أن تغيرات المستقبل يصعب توقعها، فقد قتل كهنوت النصارى جاليلة لأنه ذكر المعلومة الصحيحة في الوقت الخاطئ، ونحن اليوم لدينا كهنوت متطرف، ولدينا وسطاء كوسطاء النصارى ولكن دون جرأة التقرير، وهذا ما حاربه الإسلام في محكم التنزيل، إذا فهناك الكثير من المعلومات قد يتفهمها الأحفاد، قد كانت في الماضي من المقدسات الغير قابلة للنقد، فالتغيير الفعلي الذي عاشته الأمة المسلمة لم يتجاوز حتى الآن حاجز المائة عام منذ عصر النهضة العربية.

 

ونحن اليوم ننتقل إلى عصر جديد يبدو أنه عصر الأنوار الإسلامي، هناك أشياء كثيرة قد تغيرت، وأتمنى للإسلام مجدا عظيما، ولكن لن يكون له إلا الخسران المبين إذا كان أبرز دعاته هم من دعاة إعادة دولة الخلافة، وممن يطالبون بتكفير مستبيح الاختلاط، وممن يظنون في كل ناقد لسند حديث ورد في البخاري بأنه ضعيف العقيدة!

 

 

العالم يتغير ونحن أمة في إطارها الجمعي؛ لا تهتم بعلم الاستشراف، لا على سبيل الأفراد ولا المؤسسات، ولا حتى على سبيل المثقفين إلا قليل منهم مثل المهدي المنجرة، وهو علم تنبأ في بحث سابق بنهاية الحكم الإسرائيلي خلال خمسين عاما، لذلك هم يعملون لأجل هذه المعطيات الاستشرافية، ونحن أمة عامتها ننتظر المهدي المخلص، والمهدي لن يأتي في أمة ضعيفة، إنما هو رجل سيقود أمة ذكية متعلمة وحرة وواعية لا أمة تتكون من شباب يائس يريد أن يتخلص من حياته بالموت في ساحة المعركة ويسمي ذلك جهادا، أمام دول معادية منظمة وقوية ولا يمكن هزيمتها بأمة لا يملك أفرادها الحرية ولا العدل ولا احترام القانون.

 

 

 

 



إقرأ أيضاً:


شارك:
  • Twitter
  • Facebook
  • del.icio.us
  • Google Bookmarks
  • Digg
  • Print
  • email

عدد التعليقات: 6

  1. Darwish
    6 يوليو 2010

    قرأت مقالتك أستاذ ماجد .. في منتهى الروعة وكثر الله من امثالك ونفعنا بك فنحن نحتاج فعلا الى الفكر المصادم احيانا .. وإذا سمحت لي أريد المشاركة بالتالي :

    أولا : من الظلم حقا ان نقول أن الغرب قدم أفضل نماذج العدالة على مر التاريخ .. هكذا على إطلاقه .. فأين إذا دولة محمد صلى الله عليه وسلم .. وعهد خلافة أبي بكر وعمر على وجه التحديد .. وبعد ذلك وفي نظري .. فإنا أتفق معك بأن الغرب من الأفضل وأخص امريكا تحديدا فهي في نظري تقع مباشرة بعد دولة الرسول الكريم كأفضل نموذج دولة قدمه البشر

    ثانيا : فاجأني كثيرا قولك .. أن دولة الخلافة ليست إلا حجرا في متحف التاريخ .. اخي ألا تقرأ ؟ وأنا هنا اعتذر لحدة الكلمة ولكن لهول المفاجأة .. هناك أحاديث متواترة مطلقة في صميم الوعي المسلم عن قيام الخلافة الاسلامية في آخر الزمان .. ونعم صحيح ماذكرته عن وحشية الحكم الاموي والعباسي والعثماني ايضا .. ولكن من الذي يقول ان هذه الانماط من الدول هي دول خلافة اسلامية ؟ .. هي دول ملكية دكتاتورية توارثية في اغلبها تمسحت بمسوح الخلافة .. وليست دولة الخلافة الاسلامية .. دولة الخلافة الاسلامية هي دولة حرة عادلة شفافة ديمقراطية كما تسمى في العرف الحاضر .. ويجب على كل أحدالأيمان بها كفكرة لأنها من المعتقد .

    ثالثا : عبدالرحمن اللاحم .. مع احترامي لشخصه إلا انه لايستحق ان يكون في مصاف عظام القانونيين .. لانه جعل قضيته الاولى .. الاسلاميين كما يسمون والتيار الديني اكثر من مطالبته بالاصلاح الفعلي للنظام القضائي لدينا .. بالرغم من عضويته في منظمة الهيومان رايتس ووتش .. فقد جعل قضيته هذا التيار .. وأسقط حد من الحدود علـى يديه وحقق انجازا مشبوها .. ولندع الله ان يتوجه لقضية الحريات الحقيقية المفقودة لدينا .

    والآن الى الجوانب الايجابية

    أولا : الاكتفاء كماذكرت بأن القرآن الكريم اشار الى الشورى دون تفصيل هو من الرحمة لنا لكي نعمل العقول بان نبتكر افضل الانظمة ولاحرج .. وهذا شئ محرر وليس شيئا مقيدا

    ثانيا : فعلا من اكبر المشاكل لدينا موضوع التبجيل والتقديس لغير المبجل وغير المقدس .. واؤمن ايضا انه لاأحد فوق الانتقاد الموضوعي .. نعم هناك من اخطآ من الصحابة ومن غير الصحابة .. وهذه حقيقة فهم بشر .. ولو نظرنا نظرة فاحصة في القرآن الكريم لوجدنا الله تعالى قد ذكر أخطاء الانبياء عليهم الصلاة والسلام كسليمان عليه السلام .. بل اين ذهبت .. عبس وتولى .. عن أكرم الخلق عليه الصلاة والسلام .. وهذه فيه إشارة من الله تعالى انه هو وحده سبحانه وتعالى الكامل المنزه عن كل خطأ وان ماسواه يخطئ كائنا من كان .. ونحن نحتاج الى الانتقاد الموضوعي الهادف الذي نراعي فيه الله تعالى لكل احد .. مهما كان منصبه ومكانه ومهما كان المسوح الذي يتمسح به

    ثالثا : احوج مانحتاج اليه الآن .. أن نقتبس من الحضارات العظيمة السائدة في أنظمتها القانونية والإدارية .. بل وحتى القيمية التي ليست لدينا الآن وتفعيلها كقيم المساواة والعدالة والحرية وحرية التعبير والمشاركة السياسية والشفافية … وان كانت في صميم معتقدنا .. لانها باختصار جوانب مغفلة عمدا لدينا

    وختاما .. باركك الله ووفقك ونفعنا بك .. واستمر اخي في تحطيم الاصنام البالية ومحاربة كل مايؤدي بنا الى الجمود والتخلف والرجعية .. لنسبر أغوار المستقبل بخطـى واثقة فنكون كما ارادنا الله ان نكون خير أمة أخرجت للناس .. فنضيف للأنسانية معنى جميلا في زمن أحوج ماتكون فيه الى الأسلام الحق .. الذي يرتقي بأهله في كل مكان وفي كل زمان

  2. شكرا لك أخي ماجد على كلماتك عني الذي اعرف من نفسي لا استحقها فكل ماحدث في تلك القضايا ما هي إلا بسبب جهود متوافرة من جميع شرفاء هذا البلد وخصوصاً من جيله الصاعد الواعد بغد أفضل لنا و لأطفالنا .
    شكراً لك مرة أخرى و تمنياتي لك بالتوفيق
    عبدالرحمن اللاحم

  3. 10 يوليو 2010

    كما هو الحال في عالم الكتابة الورقية, قلّة من المدونين الذين يجيدون الكتابة الشفافة الواضحة والمجرّدة؛ وهي أحوج ما نحتاج إليه.
    شكري الكبير على هذا الطرح المتّزن.

  4. 10 يوليو 2010

    رائع لا أجد كلامًا يثني عليك حق الثناء أبدعت وربي

    هذه المقالة تتحدث عن خواطر تدور في خاطري أولها العلمانية لا أرى ان الدولة العلمانية

    حل لكل مشاكلنا بل الدولة المدنية هي من أنسب الحلول لنا بما يتناسب مع ديننا

    كما أن الغرب انفسهم وقوانينهم هي مبنية على ما كان عليه المسلمين في عصر الظلمات ولو نتعلم نحن المسلمين

    مما كنا عليه لأصبحنا بخير .

    بخصوص انتقاد الأشخاص أنا مع هذا بوجود الأدب بالطبع لكن هناك عقول مغلقة ترى أن انتقاد فعل شيخ

    أو عالم هو انتقاد لذات الشخص وتقيم عليك القيامة وهي لا تعمل عقلها ولا تفكر هل هذا الشيخ او العالم

    مصيب أم مخطئ، عقول مؤدلجه مجمدة أشفق عليها كثيرًا

    تم حفظ هذه المقالة في المفضله أبدعت بكتابتها

    شكري من القلب

  5. 14 يوليو 2010

    يبدو اننا نتخاطر بالافكار اخي ماجد :) فقد كتبت تدوينتي الاخيرة منذ يومين ولم اكن قد اطلعت بعد على تدوينتك هذه لاجد اننا نتشارك بعض افكارها كعلم المستقبليات والمهدي المنجرة
    تدوينة رائعة جدا تلخص لنا اشواق الحرية والمجد والسيادة للمستقبل والتي هي قادمة بلا شك

  6. الحسين
    19 يوليو 2010

    اولا احييك استاذ ماجد بتحية

    الإنسانية .. وثانياً : كم الأفكار لديك كبير وموفور

    ثالثا:المشروع الذي انت فيه لا يختلف كثيرا عن مشاريع اسلامية كثيرة

    لكن بتحرر اكثر من العضوية الحزبية فلدى حزب الوسط في مصر والأخوان في

    بعض نسخهم الجديده وحزب العدالة التركي وحزب اللتنمية والعدل المغربي وحمس الجزائري

    ورابطة علماء امريكا الشمالية ونكهة من نكهات اخوان الكويت ..انت تشبههم في الرؤى ولكن انت انطلاقك

    اكثرنحو الحريات ولكن لا زال لديك خوف من العلمانية على الأقل الجزئية ،،فأنت ليبرالي اكثر من كونك

    اسلامي لدى على الأقل ،،

    تسمح لي بسؤال اخر هل كان لك سابق تجربه مع الإسلاميين ولها اثر في التكوين هل لديك قروب يعمل معك

    في التدوين والإستخلاص فجهدك كبير جدا ،،

    الشيخ احمد الحمدان والدك ؟

    سامحني على اللقافة .