كل من يعملون هم بحاجة إلى التنظير والمنظرين، لا يوجد عمل دون تنظير حقيقي إلا ومآله في الغالب للفشل، أي خطة لا تنجح إلا بالتنظير، كل الفرق في الشركات الكبرى لا تنجح إلا بكثير من التنظير المسبق، بل إن الفرق الإدارية لم تخرج إلا من رحم التنظير المؤسساتي الإداري.
هذا للرد على من يظن أن العمل هو الأساس، بل التنظير هو الأساس، والمثقف الذي يجلس على مكتبه لا يعمل إلا بالبحث والتفكير والتأمل وممارسة الكد الذهني، هو القادر على توجيه الناس للعمل الصحيح، أما مسألة ضرورة التجربة، فمن البديهي أن أي تنظير فاعل لن يكون إلا بناء على تجارب عملية، إما شاهدها أو مارسها المنظر بنفسه.
عندما يمارس الإنسان حياته اليومية فهو يضع الكثير من التنظير، يبدأ هذا التنظير باستيقاظه من النوم، فهو يحدد في لا وعيه خطة كاملة للخروج، تبدأ من إشعال الإضاءة إلى دورة المياه للاغتسال ثم الذهاب إلى المطبخ للإفطار ثم الخروج لقيادة العربة إلى العمل.
هذا التخطيط اللاواعي معروف لأنه مكرر، ولكن ماذا سنفعل عندما لا نملك خطة معروفة مسبقا ونحن نرغب بالنجاح في هذا المشروع، كالرغبة بإنشاء مشروع تجاري جديد.
ما سنفعله هو أننا سننتقل من التنظير العفوي أو اللا واعي إلى التنظير المقصود أو الواعي، وبالتالي عندما نرغب بالنجاح في مشروع تجاري على سبيل المثال يجب أن نضع له دراسة جدوى كاملة، أما عدم إعطاءه هذه الدراسة، فهذا يعني أننا سنقوم بمشروع عفوي، مآله غالبا الفشل إلا في حالات نادرة ينجح فيها بالحظ، إضافة إلى ذلك هو أن ذلك المشروع العفوي سيكون رهنا لأي ظروف طارئة ستجعله تحت رحمة أي تحدي أو معطيات لم تطرأ على ذهن صاحب المشروع، فضلا عن ذلك أن عدم التنظير يفقد صاحب المشروع أي فرصة في استغلال فرص جديدة وفي استمرار البقاء.
ماذا لو كان التنظير يتعلق بمشروع دولة لا بمشروع فردي؟
هنا ستصبح الحاجة للتنظير أكبر وأعقد وأعظم، فحدوث الفشل قد يكون في إدارة مئات الشركات الكبرى، وآلاف الشركات الصغرى والمؤسسات التجارية.
وافتقاد التنظير في هذه الحالة، هو فشل مؤكد لتلك المشاريع العفوية، إن لم يتوفر لها التنظير الفاعل والمدروس والذي يهدف إلى التطبيق دون عوائق وقيود، وهذا هو دور الفلاسفة والمفكرين في كل التخصصات الإنسانية.
توصلنا أيضا إلى نتيجة أخرى، وهي أن العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع والنفس وعلاقتهما بالإدارة، وغيرها من علوم إنسانية هي أهم من كل التخصصات الأخرى، لأنها هي منبع الأفكار، علما أن الرياضيات والإحصاء ليست إلا جزء لا يتجزأ من العلوم الإنسانية.
إنها الإنتقال من السلطات الثلاثة، التشريعية القائمة على التنظير إلى التنفيذية القائمة على العمل، إلى القضائية القائمة على التصحيح، فإن رأيت كاتبا مهمته التنظير وتدوين المقالات تلو المقالات، فأعلم أن دوره أهم ممن يعمل دون تخطيط مسبق، لأنه هو من يوجه التنفيذيين وهو من يصحح أخطائهم، ولو كنا نسمع للمنظرين ونعطيهم حرية أكبر في التنظير، لكنا في حال أفضل.


عزيزي ماجد السلام عليكم.
هنالك مقولة ينبغي أن يضعها كل إنسان نصب عينيه مفادها: إن من لا يخطط لنجاحه، يخطط لفشله مسبقا…
وما ينسحب على الأفراد ينسحب على المجتمعات والدول أيضا.
إننا لن نظفر بالنهوض ما دمنا نردد “اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب” ونعمل بسياسة “طقها والحقها” ونتصور أن الدنيا كلها “خبط لزق”.
شكرا لقلمك الذي يعرف ماذا يكتب.
نعم وانا أتفق معاكم ….ولكن هناك سؤال يدور في ذهني عندما يكون التنظيربيد فاسق او خائن للأمانه وهو من يقوم بتنفيذه وعليك ان تتصور كيف تكون النتائج لذلك التنظير…!؟
وجهه نظر: دعوا التنظيرفي انفسنا ومجتمعنا ومن حوله اولا… ثم ان للتنظير الحقيقي رجاله في ذلك الوقت…!؟
أحدى أبداعاتك صديقي ماجد…!؟
رعاك الرب
أستاذ ماجد أرسلت لك رسالة بالايميل وأرجو أن ترد الله يرضى عليك
أنا كنت أرى أن التنظير شئ يؤخذ عليه
كوني رأيت أن الكثير يكتفي بالتنظير ولا يقوم بالعمل
لكنك بهذه المقالة الجميله وضحت لي الكثير من الأشياء التي غفلت عنها
ولكن هناك حلقة مفقودة يجب أن تربط ما بين التنظير والعمل
اما لو اكتفت المؤسسات بالتنظير لما تغير شئ بل يجب أن ترتبط عملية التنظير
بالعمل والإنجاز
شكرًا لك
علي وعمرو ونوفة، تكحلت عيناي بوجودكم، عزيزي صالح سعدت أكثر بتساؤلك، ورديت عليك وسوف أرد على الرسالة الثانية قريبا، اعذرني على التأخر لأسباب ضاغطة.
بخصوص حلقة الوصل سيدتي نوفة، فهي ملاحظة في مكانها، هدفي من المقال التركيز على أهمية التنظير.
مشكلة التطبيق تكمن في أن التغيير السريع مؤدي إلى صراح مصالح، تخيلي أنك على رأس شركة كبيرة وهرمة مليئة بالموظفين من أصحاب المهارات المتدنية.
إما أن تعليمهم إن أمكن، أو إحالتهم على التقاعد، مما قد يؤدي إلى صراعات داخلية قد تؤدي بالإطاحة بالرأس الكبير.
هذا مجرد مثال، إذا فالتطبيق يمكن أن يبدأ بعدوى الأفكار والكثير من التنظيم المسبق الذي يؤدي إلى التغيير على المدى البعيد.
لا تقوم أي حضارة دون تفكير على المدى الطويل، الأهم هو التفكير ثم سيأتي أشخاص ينفذون هذه الأفكار بعد أن تكون جاهزة وصالحة للتطبيق.