ازدواجية العقل، العقل الثنائي

العقل الثنائي هو عقل ازدواجي، لا يدرك العالم إلا بثنائية: فإما الخير وإما الشر، إما الله وإما الشيطان، إما الإنتماء وإما الخيانة، إما الإيمان وإما الكفر.

وهو عقل اجتماعي سائد، وخطير، وسبب من أسباب الإرهاب الديني، وقتل المكفرين، وإتهام الآخرين بالخيانة الوطنية عند الاختلاف في الرأي، وهو أحد أسباب الاستبداد السياسي، فإما الحاكم المطلق وإما الخونة الأعداء.

هذا العقل بدائي، سواء كان دينيا أو مدعيا للعقلانية، وهو عقل تقديسي، يقدس الله على حساب البشر، ويقدس الحاكم على حساب المواطنين، وهو عقل رعوي، لا يتقبل تعقيد الحياة المدنية، ولا يقوى على الفهم العاجل في بيئة ثقافية تستلزم رحلة طويلة من التعليم المدرسي المدني، لأنه اعتاد على الفهم السريع للأشياء، أو البحث عن مرجع مقدس يقدم له تلك الأجوبة باختصار، سواء كان دينيا أو سياسيا.

كما أنه عقل ينصب نفسه حاكما على الفلسفة والفكر، فهو غير قادر على استيعاب تعقيدات الفكر، ولا يقبل بتأجيل الأحكام أو عدم إطلاقها على الأشياء، كالكثير من رجال الدين. لذلك يعد صاحب العقل المتعدد في ظنهم شكوكيا ضالا، فهم يرون صاحب الأجوبة هو المدرك، ويظنون العلوم العقلانية تيها، لأنها قائمة على البحث والتنقيب، ولأنهم أدركوا كل شيء وفق معرفة مسبقة ومطلقة لا تقبل الشك ولا النقض ولا تحتمل المراجعة والتعديل، والمطلق هو مقابل للعدم الماثل أمام أعينهم.

 

 

وليس أمام صاحب العقل الثنائي علوم، فهو لا يستوعب وجود قانويين، اقتصاديين، سياسيين، نفسانيين، اجتماعيين، وإن كان يعلم، فهو يمارس رعويته في معظم الأحيان، ويرى أن كل الأسئلة يمكن الإجابة عليها، كذلك الشيخ الذي أفتى بعدم جلوس الفتاة متزينة بجانب أبيها كي لا تغريه لأن أبيها يتحرش بها جنسيا، فلو كان قانونينا لأخبرها بإبلاغ الشرطة، ولو كان نفسانيا لأبلغها بطلب معالجة الأب، ولكن لأنه صاحب عقل ثنائي فهو ينظر إلى المسألة من منظور الفضيلة أو الرذيلة أي بنفس الازدواج العقلي وهو لا يستطيع تقديم أفضل من ذلك، فهو لا يملك عقول متعددة أو لا يقبل بالتعدد العقلي وإن كان مسقطا!

العقل الثنائي غير قادر على البناء، وهو لا يساهم في تقدم البشرية، ولا يملك قدرة في السيطرة على الطبيعة، بل وعكس ذلك فهو أقرب إلى الهدم إن لم يكن مسالما، لذلك فهو غالبا ما يلجأ إلى السياسة، كدولة طالبان والتي مثلت ذروة الفكر الديني الثنائي.

بعض أصحاب العقل الثنائي يتعاملون مع مرحلة خروج دارون صاحب كتاب أصل الأنواع كمرحلة انتقل فيها الغرب من عبادة الله عبر الكنيسة إلى عبادة الشيطان، وهذا ما جاء في كتاب الحوالي عن العلمانية، وفي هذا المثال نصل إلى ذروة تطبيقات العقل الثنائي، والذي لا يرى في العلم محاولة لاكتشاف الطبيعة، فإما الدين بعلم مستسلم للدين، وإما العقل بعلم مستسلم للشيطان. وهو في ذلك غير قادر على مناقشة هذه القضية إلا بمنظور رغبة دارون وعلماء الطبيعة في هدم الدين.

الطريف في الأمر، أن تصلب أصحاب العقل الثنائي هم سبب في تدمير مبادئهم على المدى البعيد، فخط التقدم الحضاري أصبح حتميا في التاريخ الحديث، وقد كان تصلب العقل الثنائي النصراني سببا من أسباب دماره، وإن كان في أول الأمر سببا من أسباب استمراره لمئات السنين في ظلام بشري حالك.

ولكن انتشار العلم وخاصة بعد اختراع الطابعة التي حرمها العثمانيون وهم من أصحاب العقلية الثنائية، قد كان أقوى، ولا بد للعلوم العقلانية أن تنتشر في العالم العربي، كي يخرج من بؤسه التاريخي إلى ما نحلم به من عدل اجتماعي في حضارة إنسانية نبيلة لا يذبح فيها المجانين مخاليفهم تقربا إلى الله.

فالثورة العربية كانت بداية لكسر الاستبداد السياسي، بامتلاك العرب للإرادة السياسية الشعبية، ولكن لو قدر لهذه الثورة العربية أن تتجه إلى أستبداد عكسي من واقع استفحال المرض الثقافي، فنحن موعودون بظلام أشد رعبا، ولا بد من حدوث ثورة معرفية مكملة للثورة السياسية، وهي لم تحدث بعد.

 

عن الصورة : من أجمل ما قدمته الفلسفة الطاوية رغم امتزاجها بالأساطير الأولى ورغم اعتبارها كفلسفة قديمة، هو فلسفة الاعتدال في الحياة أمام الثنائيات الوجودية، وفي هذه الصورة نرى الين واليان، أي الضوء والظلام، والعمل على مزجهما التام.



إقرأ أيضاً:


شارك:
  • Twitter
  • Facebook
  • del.icio.us
  • Google Bookmarks
  • Digg
  • Print
  • email

عدد التعليقات: 14

  1. 9 مايو 2011

    مرحبا أخي العزيز ماجد.. كيف الحال؟

    سنبقى أبد الدهر محكومين بالثنائية التي تحكم الكون باستثناء رب العالمين الذي هو مطلق التجانس وبالتالي لا تحكمه الثنائية..!

    فكل ذرة في اجسادنا مبنية على الثنائية مرورا بالحمض النووي وحتى فصي أدمغتنا…!

    وبالتالي لا يبقى لنا سوى تطوير ثنائياتنا حتى نتخلص من سلبيات القديم منها..!

    فالهدف من الثنائية في نهاية الأمر هو “التفاعل” بين طرفي الثنائية للوصول إلى منتج..! وهذا المنتج هو ثنائية مستقبلية لمنتج أعلى تطورا… وهذا هو تطور الكون..!

    ومشكلة التفكير البدائي أن ثنائياته متخلفة عن رب الحضارة وبالتالي تكون عاجزة عن “التفاعل” مع محيطها… والطريف أن الحل لمشكلتها لن يأتي عن طريقها ولكن عن طريق من هم في المستويات الأعلى… فالذرات نحن الذين نطوعها وندرسها نحن البشر وليس العكس… وبالتالي المسئولية لا تقع عليهم ولكن تقع على من هم في المستويات الأعلى…! وأي فشل في عملية التواصل هو فشل لمن هم في المستوات الأعلى…

    ولهذا أخي ماجد.. أنت وأمثالك “مسئولين” عن هذا الفشل في نهاية الأمر وليس العكس ولا أستثني نفسي طبعا……!!!! :)

    فطالما بقي هؤلاء الناس في القاع الفكري فهذا يعني اننا فشلنا في نشلهم إلى الأعلى…! فنحن جميعا لا زلنا تائهين بين ثنائية ما هية الفكرة السليمة وما هي الطريقة الأسلم لتطبيقها أي ثنائية النظرية والتطبيق…!

    عموما التفكير هو عملية وزن للأمور وكلما زادت المعرفة (كما هي المقارنة بين ميزان تقليدي وميزان الكتروني) زادت الدقة في وزن الأمور، وبالتالي هؤلاء البدائيين يعانون من ضعف في الدقة، الأمر الذي يجعلهم يعتقدون أنهم على صواب في حين انهم على خطأ..!

    وعملية الوزن في جوهرها هي ثنائية أزلية…

    تحياتي..

    • 9 مايو 2011

      نعمل على تعويض ذلك الفشل بقدر المستطاع ولكن المشكلة في تحول أصحاب الفكر الثنائي إلى نخب سياسية ودينية وثقافية، وهو ما يستلزم المزيد من الجهد والانتشار.

      لا زلنا نعيش في ثقافة إنفعالية، لا تملك تخطيطا مسبقا للاشياء، وذلك عبر أكبر رموزها، ويكفي أن الصوت الأدبي لا زال يعبر عن الصوت الثقافي.

      فتكفي رواية تسرد قصص من الواقع أن تحول صاحبها إلى رمز ثقافي، دون ذلك الجهد المضني المبذول في ميادين العلم والفلسفة والفكر.

      إذا قال أحدهم أن الشق أكبر من الرقع فهو صادق، ولكن ليس أمامنا إلا التفاؤل، لأن التغيير يحدث وفق ما نريد.

      لا أتمنى انتشار فكرة أو نظرية كما تمنى الكثير من الفلاسفة وإن كان تمنيا مشروعا، ما أتمناه هو انتشار العلوم العقلانية بالطول والعرض.

      وهذا ما يعمل أصحاب العقول المزدوجة إلى مقاومته.

      تحياتي لك يا رجل، اشتقنا لعقلك، ودمت بخير.

  2. 9 مايو 2011

    صلب أصحاب العقل الثنائي هم سبب في تدمير مبادئهم على المدى البعيد

    إن المشاكل الفكرية ومدى تقبل الآخر من أعقد الأفكار البنوية في المجتمعات المنغلقة بالذات التي تعتقد أن السلطة تمكنه من فرض فكرها وإن كان متطرف أو ثنائي أو رباعي والمشكلة الأخرى أن غيرهم لا يملك نفس الإمكانيات التي لديهم

    • 10 مايو 2011

      أهلا بك يا كريمة، أتفهم رأيك، وعدم تقبل الأفكار حتمية اجتماعية تتعلق بالصدمة الثقافية، ولكن الإنفعال المصاحب لتلك الصدمة هو المشكلة.

  3. 10 مايو 2011

    مرحبا أخي ماجد.
    ليست الإشكالية في الثنائية ذاتها، بل الإشكالية في استبعاد التدرج المؤدي إلى التنوع، وهو أمر له تأثيره المباشر في الفعل، ومن هنا تأتي أفعال أولائك الذين لا يأخذون التنوع بعين الاعتبار خالية من الحكمة, فهي إذا لم تكن ضارة، كانت عديمة الفائدة أو تكاد.
    هنالك -على سبيل المثال- الليل وهنالك النهار، والإشكالية لا تكمن في الاعتقاد بتقابلهما، بل في الاعتقاد بأن جميع الليل لحظة واحدة لا فرق بين ساعة وأخرى منه، وذلك أن مثل هذا الاعتقاد سيسوغ لبعض الأشخاص زيارة أصدقائهم عند الثالثة فجرا قياسا على عادية زيارتهم عند السابعة مساء بدعوى أن الوقت ليل دون النظر إلى الفرق الواضح بين السابعة مساء والثالثة فجرا!
    وقل مثل ذلك عن النهار.
    أجل، للنهار حكم عام يشمل كل نهار، ولليل حكم عام يشمل كل ليل، ولكن هنالك من التدرج والتنوع الذي تفرضه الساعات والأيام ما يقتضي تغاير الأفعال تبعا لذلك، وهذا إن كان واضحا في هذا المثال الواضح، فإنه ليس كذلك في مواطن كثيرة لها صلة بالفكر والسياسة والمجتمع.
    ولنأخذ مصطلح “الكفر” الذي هو مقابل لمصطلح “الإيمان” فالإشكالية هنا لا تكمن في المصطلح إذ كل من لا يؤمن بحقيقة ما فهو كافر بها وكلنا مؤمن من وجه كافر من وجه آخر،بل الإشكالية تكمن في تعميم حكم جزئي على كافة ما يدخل تحت هذا المصطلح دون النظر إلى التدرج والتنوع، كأن تطبق أحكام الكافر الحربي على ابن الوطن الذي يدين بدين آخر ، ويتم تفسير النصوص بناء على هذا التعميم المجانب للصواب.
    وعموما فالثنائيون أنفسهم _إن جاز التعبير- لا يتجاهلون هذه الثنائية إلا حين تملي عليهم مصالحهم الشخصية أو توجهاتهم الفكرية ذلك مستفيدين من فوضى التعميم والخلط الذي غالبا ما يمر على العوام دون أن يفطنوا إليه، مما يجعلنا مطالبين بنشر أسس التفكير الواعي بين الناس.

    وشكرا لقلمك.

    • 10 مايو 2011

      يمثل مرورك عادة إكمالا للمقالات التي أكتبها، جميل هو تحليلك عن الليل والنهار، وهو ملهم لأفكار أخرى، دمت بالقرب.

      • 10 مايو 2011

        مرحبا أخي ماجد.
        أشكرك على لطفك واحتفائك بما أكتب، وبعد: فقد ورد في نهاية تعليقي السابق ما نصه:
        “عموما فالثنائيون أنفسهم -إن جاز التعبير- لا يتجاهلون هذه الثنائية إلا حين تملي عليهم مصالحهم الشخصية أو توجهاتهم الفكرية ذلك …”
        وكان الأولى بي أن أصيغ الجملة على النحو التالي لتبدو مفهومة بشكل أوضح:
        عموما فالثنائيون أنفسهم -إن جاز التعبير- لا يتجاهلون هذا التدرج المفضي إلى التنوع إلا حين تملي عليهم مصالحهم الشخصية أو توجهاتهم الفكرية ذلك…

        لذا وجب التنويه، ودمت مشرقا.

  4. 10 مايو 2011

    الحقيقة دائماً نسبية مردها فعلاً الاطار العام لشكل الصورة التي قد يكون حددها عقل الرائي او الشاهد لها وبالتالي كثير م الاحكام مسبقة ،،،

    اخ ماجد بارك الله في علمك ووعيك وتوازنك ،،

    استفدت من مدادك الكثير .. واهمها سمات العقل الثنائي.

    • 10 مايو 2011

      شكرا لمرورك وتواصلك ودمت صديقا فكريا أخ أبو سيف.

  5. عبدالوهاب
    10 مايو 2011

    البرنامج التلفزيوني الذي ظهر به الشيخ كان برنامجا دينيا شرعيا فمن الطبيعي أن يرد على صاحبة المشكلة من منظور الرذيلة والفضيلة الحلال والحرام والمتصلة أصلا لم تكن تتوقع أكثر من ها فهي تعرف رقم الشرطة سلفا وليست بحاجة إلى نصيحة في هذا الشأن لكنها اتصلت لأخذ النصيحة الشرعية وليست القانونية أو النفسية
    والحقيقة ضربك لهذا المثال غريب ولا يخدم فكرتك وأستغرب حشره في المقال

    • 10 مايو 2011

      هذه هي المشكلة، كان على المجتمع أن يتعلم إلى أين يذهب بمشاكله، هذه كانت بحاجة إما لقانوني أو نفساني، وليس إلى فتوى. ولكن هذا لم يلغي علاقة الاستشهاد الذي ذكرته بالثنائية.

  6. خالد
    10 مايو 2011

    لاتبالغ في لوم الترك على تحريم الآلة الكاتبة
    وكأنه عندما عرف المجتمع الطباعة ودخل الانترنت تغيرت ثقافته السائدة , استمع إلى خطبة الجمعة واذهب إلى المحاضرات الدينية التهريجية وتحدث مع الشباب وتأمل في اهتماماتهم ونظرتهم إلى هذا العالم وقل لي بربك ماذا غيرت الطباعة فينا
    المسلمات الثقافية للأسف لاتتغير بهذه السهولة فهي متجذرة في الأعماق وخلعها عملية شاقة ومرهقة كشجر البرسوبس في بريدة !

    • 10 مايو 2011

      أتفق معك في كل ما ذكرت، وأتفهم إحساسك بهذا اليأس الذي أشاركك فيه أيضا وإن كنت أحاول إخفاءه ما أمكن. ولكن انتشار العلم والمعرفة هو البداية، وثورة الإنترنت بين هؤلاء عمرها قصير، وقد أشرت في المقال عن انتشار العلوم العقلانية، فهي المخلص الوحيد للقضاء على ذلك البؤس الفكري، وهي موجودة من أزمان طويلة، من أيام أخوان الصفا وابن سينا وابن باجة الذي خاف من قتلهم له فصمت دهرا، ولكن القضاء على مصادر ترويج المعرفة كحرق كتبهم وعدم طباعتها، كانت سببا من أسباب تأخير انتشارها، والطابعة والإنترنت هي البداية، الدور الآن يكمن في القضاء على تلك المسلمات التي سببت التعاسة لنا جميعا.