السلطة الاجتماعية

الفاهمين والباحثين في مجال الفكر قليل في كل المجتمعات، ولكنهم هم النخبة القائدة للمجتمعات المتحضرة. مدعي الفهم أو قادة التقليد منهم نوعان، بعضهم باحثين غير عقلانيين، عقولهم عمودية غير أفقية، مزدوجة ذات عقل ثنائي، تبحث في موضوع واحد ولا تتفهم الفكر المخالف، والبقية هم من الأشخاص العاديين، ممن لم يبذلوا جهودا في البحث والتفكير والاستنتاج، ولكنهم يتبنون مواقف جاهزة، إما عبر السلطة الاجتماعية أو بالتمرد على السلطة الاجتماعية.

السلطة الاجتماعية هي مجموعة من الآراء والمعتقدات والقيم تمثل رأي الأغلبية المهيمنة على القطاعات الاجتماعية المختلفة، وأولها المجالين السياسي والعقدي، أو أي سلطة مهيمنة على جماعة محددة تمثل الإطار الذي يحيط بالفرد، كسلطة الأقليات.

فمن السهل أن ترى من الشيعة من يدافع عن معتقدات الشيعة مقابل مناصبة العداء على النواصب، ومن السهل أن ترى من السنة من يناصب العداء على الروافض في الذود عن معتقداتهم، في صراع طائفي مذهبي لا ينتهي إلا في نموذج دولة حديثة، ولكن كلا الطرفين هم أساس السلطة الاجتماعية.

الحمية السنية في السعودية، وإذا تطرفنا في القول قلنا الحمية الوهابية السنية السعودية، أو الحمية الشيعية الإيرانية، وإذا تطرفنا في القول، قلنا الحمية الشيعية الصفوية الإيرانية. كلاهما سلطتان اجتماعياتان تهيمنان على الواقع الاجتماعي، وعندما تحدق الأخطار بحاسة البقاء، يصبح الإنتماء إلى تلك الحمية ضرورة وجودية أو الخيانة، ولكننا بحاجة لوضع حد فاصل بين السياسة وبين الدين، فلو أعلن النظام الإيراني حربا على السعودية، فأنا ممن يقدم حياته فداء للوطن إذا ادلهمت الخطوب، ولكن ليس لأجل الصراع المذهبي، فأنا خارج السلطة الاجتماعية، وإن كنت أيضا من دعاة السلم والعلم، غير أن الواقع في بعض الظروف يصنع الاستنثاءات، ولفلسفة الحرب مقال.

قوة السلطة الاجتماعية تجعل عامة الناس أقرب إلى إعتناق هذا الفكر الجديد، وفي السعودية ولأنني أعرفها أكثر من غيرها لكونها بلادي، كان هناك صوفيين حجازيين ذوي تاريخ صوفي عميق، بعضهم أصبح وهابيا أكثر من الوهابيين أنفسهم، ولذلك علاقة وطيدة بحمية السلطة الاجتماعية، والرغبة في الإنتماء إلى القوة الغالبة، لتحقيق الأمان ولا علاقة لذلك بالدليل والبرهان، ولا يبنى أساس على ذلك، بل قد يتعارض معه مصيريا، فالفكر القائم على السلطة الاجتماعية يعطل عقله أمام الدليل، بل ويعلن العداء على أي برهان قائم إذا مثل ذلك البرهان خطرا على العقيدة الأساسية. وقس على هذا المثال غيره، فلا يختلف عن السلطة الدينية الإيرانية بعد انقلاب الخميني على الشاه المخلوع.

مشكلة السلطات الاجتماعية مع الفرد، أنها تعطيه القوة في مواجهة المخالفين، وفي حالة التطرف، فإنها تتحول وسيلة للإنتصار في كل الظروف، فمثلا لا يمكنك نقاش الكثير من الفتاوى الدينية المؤثرة على حريتك الفردية في السعودية، والكثير من أراءك العقلانية قد تصطدم عند أي نقاش مع آية أو دليل يجبرك على الخضوع بل وفي بعض الحالات على عدم التفكير.

فمن أفتى بإباحة الأغاني أو الاختلاط أو قيادة المرأة للسيارة أو نادى بالديمقراطية، ومن تلك الأمثلة التي تعكس حالة عدم النضج الاجتماعي قد تحول في مجتمع يقدس الكثير من أفراده نظام الاستبداد إلى منحرف نزق، رغم انتماءه إلى نفس المرجعية الدينية، فالاجتهاد ممنوع، والتفكير ممنوع، والنقاش ممنوع، ومن يخالف فهو محدث للفتنة، اسمع وأطع ولو ضربناك على ظهرك وأخذنا مالك، فأنت لا تملك من أمرك شيئا، والخلاف خروج عن ملة الدين، والنقاش حرام، وإذا أردت النقاش فقط لسؤال أهل العلم، وأهل العلم ليسوا إلا رجال الدين، وغيرهم الضالين. وبعد هذا كله نحن أهل العدل والإحسان والتسامح، وعليك أن تعي وإلا فعليك من الله الوعيد، ومن عباده المخلصين العقاب والويل والثبور، وإذا عجزنا فالسباب والشتم بك أولى تقربا وزلفى إلى الله الغفور الرحيم.

في مجتمع كهذا، يصعب أن تخرج برأي مخالف، بل وتحتاج إلى وقت طويل كي تتجاوز تلك المواضيع السطحية عن قيادة السيارة كي تصل إلى نقاش قضية الصعود إلى القمر أو نقاش رأي ستيفن هوكنج في نظرية الخلق. ولا يمكن لمجتمعات ضعيفة كهذه أن تنتج المعارف والعلوم، وأي علامة فارقة من المفكرين ليسوا إلا شواذ خارج النسق، سواء في العلوم الطبيعية أو النظرية.

 



إقرأ أيضاً:


شارك:
  • Twitter
  • Facebook
  • del.icio.us
  • Google Bookmarks
  • Digg
  • Print
  • email

عدد التعليقات: 4

  1. 12 مايو 2011

    في الحقيقة أن منطقة الشرق الأوسط الكبير أو الصغير أو سمي ما شئت تمتلء بمعتقدات كثيرة أغلبيتها خارجة عن عن وسيطية الدين الإسلامي وتمتاز بالتعصب الديني أو العقدي وليس في السعودية فحسب أو إيران

    إأما مشكلة التسمية مثلا الخليج العربي أو الخليج الفارسي فلماذا لا ندع خلافتنا جانبا بين السنة والشيعة ونطلق عليه مثلا الخليج الإسلامي وننهي جانب كبير من الخلاف هذا مثال بسيط يمكن تطبيقه على باقي الخلافات المذهبية

  2. 13 مايو 2011

    الخليج الإسلامي السني أم الشيعي؟ بل السني الوهابي أم السني الأزهري، أو الشيعي الصفوي أم الشيعي العراقي؟

    العصبية الدينية لها جذور تاريخية تختلط فيها العرقية، والتشيع دين سياسي جاء بمقابل دين معاوية السني، فتبلور الإثنان على مدى عدة قرون لأسباب سياسية ثم اجتماعية.

    في النتيجة فالفكرة الدينية يجب أن تخف سلطتها ما أمكن، كي ينتهي الخلاف والاختلاف المقدس.

    • MustafaHH
      4 أغسطس 2011

      لطالما كنت معجباً بما تكتبه أخي ماجد، وأنك لا تكتب شيئاً إلا بعدما أن تكون مطلعاً. لكن في ردك أعلاه أعتقد أنك قلت هذه الجملة من دون اطلاع، ولا ملامة عليك لأنه يبدو أنها كلماتٌ كتبت بسبب تأثير المجتمع والبيئة المحيطة بك. والجملة التي أعنيها هي: ((والتشيع دين سياسي جاء بمقابل دين معاوية السني)).

      فيجب أن تطلع على المصادر الشيعية بشكل أساسي، وحتى المصادر الأخرى الغير مسيّسة وترى كيف جاء التشيع.

      قرأت لك، وسأقرأ لك. وسأبقى على اطلاع على هذه المدونة القيّمة.

      واصل أخي ماجد.

      • 4 أغسطس 2011

        الحقيقة أخ مصطفى أن المصادر الشيعية هي أصعب ما يمكن الوصول إليه، ولا أعلم حتى الآن عن السبب، فمثلا بحثت قبل أسبوعين عن كتاب يشبه العقيدة الطحاوية عند السنة، ولم أجده ولم يساعدني أحد، وكل الاقتراحات التي قدمت لي كانت تتحدث عن أشياء أخرى، ولم أجد إلا مقال لشيعي يتحدث عن أصول العقيدة الشيعية.

        كما أن أبرز الموجود على الساحة لا يخلو من الخصومة حتى لو تبنى الحياد والموضوعية.

        ومع ذلك لا زلت لم ألاحظ تصويبك للمقولة أعلاه أخي الكريم، فالظروف التاريخية هي التي صنعت ما يسمى بالسنة وما يسمى بالتشيع، شيعة علي، وأهل السنة والجماعة، وكلاهما تكونا فكريا على مدى عقود من الخلاف ثم على مدى قرون أخرى على الصعيد الفكري.

        حتى أنني قرأت عدة مرات ومن مصادر مختلفة،أن معاوية كان يسخر (أثناء الفتنة) من مقولة شيعة علي، بقوله ونحن أهل السنة والجماعة.

        في كل الأحوال أنا مؤمن أن إعادة نقاش التاريخ ليس مجديا، إلا في حالة واحدة، وهي مرحلة انتقال وعينا إلى العقلانية، وهذا ما يشغلني، فحينها سيكون نقاش التاريخ مجرد تحصيل حاصل لذلك.

        لذلك ستجدني دائما مطلع جدا على معلوماتي في الفلسفة وعلم الاجتماع على وجه التحديد لأنها الإطار الذي أناقش فيه قضايانا، ولكن في المصادر التاريخية فأنا لا أعيش في التراث، ولا يشغلني بذلك القدر، إلا في جوانب تأثيره على الواقع وبمنظور فلسفة التاريخ.

        المشكلة عزيزي أن ما يجب قراءته في كل تخصص غير تخصصي، هو ضخم ومليئ بالغموض والخداع أيضا، ولازلت أقرأ ولعلني أخطأت ولكنني انتظر تصويبك :)

        أشكرك على تفهمك وبالغ تقديري واحترامي لشخصك الكريم.