حسينيات الاندلس

قام العرب بالدخول إلى الأندلس مع طارق بن زياد ما بين العامين 711 – 714 م أثناء الحكم الأموي وفيما يعرف بالفتح الإسلامي، ثم أجلي العرب من الأندلس في العام 1492م بقيادة الملكة الإسبانية إيزابيلا، ومنذ نحو 520 عام ولازال العرب يبكون على الأندلس، الأدباء والدعاة وكتاب التاريخ وحتى في المناهج الدراسية، بل ومعهم بعض من يحسبون على الوسط الثقافي الفكري.

وقد نجد من نفس هؤلاء من يأخذ على بعض الشيعة بكائهم على مقتل الحسين من 1400 عام، في الرثائيات الحسينية، والتي شعارها وااحسيناه! وهم أنفسهم من يبكي حتى اليوم بالرثائية التاريخية: وااندلساه.

لو حللنا الأمور بالمنظور الواقعي الموضوعي المحايد البحت، فإن العرب هم من بدأ في احتلال الأندلس، وسبوا نسائهم واسترقوا رجالهم، وجعلوا أعزتها أذلة، وجعلوهم يدفعون الخراج والجزية، كمواطنين من الدرجة الثانية. ومع ذلك يبكي البعض على الجرائم التي ارتكبها الإسبان مع المسلمين وإن كانت فعلا أكثر قسوة مما ارتكبه العرب والمسلمون من حيث الدرجة التي غلب عليها الانتقام!

الآن، ما الذي يجعلني أبكي على دولة ماتت من 520 عام، ماذا في الأندلس كي أرثيه، الشيخ البرهاني ابن رشد تم إحراق كتبه، وتم القضاء على فكره من قبل دعاة الظلام، أما الفيلسوف العقلاني ابن باجة فقد تم اغتياله، تم ذبحه وقتله بالسم من قبل الموحدين القادمين من الصحراء، أما ابن طفيل فقد ألف كتابا في الفلسفة على شكل رواية خوف من نقاش تساؤلاته الفلسفية بشكل علني، تجارة الجواري والتسري بالنساء، كانت منتشرة في الدكاكين تباع كما يباع الخمر في متاجر أوربا، لم تقدم لنا الأندلس مبادئ حقوق الإنسان، ولم نتعرف من خلالها على الديمقراطية وحرية الفكر، وكل الأعمال الفلسفية والعلمية التي أتت من هناك، كانت خفية، كانت نشاز، كانت خارج النسق العام.

ومع ذلك كانت هناك إيجابيات مقارنة بعهود الظلام الغربي والحياة التي غلبت عليها الطبيعة الحيوانية عند الغرب في المرحلة الكنسية، من هنا تنبع إيجابية الفكر العربي القديم، وليس بالمقارنة مع العصر الحديث، نعم كانت هناك بعض الحقوق والكثير من الإنسانية، كالفقه المالكي الأندلسي الذي أثر نسبيا على دعاة التنوير الغرب، ولكنها لم تتحول إلى فكر قائم ومستقل بذاته، لم تتحول على شكل وثائق حقوقية وأعمال حقوقية ومؤسسات حقوقية كبرى كما هي اليوم، وحتى أغلب الخلفاء لم يكونوا يتناقلون السلطة بالديمقراطية والانتخاب والأفضلية، بل بقطع الرؤوس أو بوراثة الشعب والأرض ومن عليها، ثم يضع نفسه المفوض بالحكم الإلهي. والتاريخ أمامكم لتحكموا بعدل وإنصاف، إن كنتم تريدون العدل والإنصاف!

نحن الآن نعيش عصرا عرفنا فيه مفهوم التقدم الذي لا يعترف به الرجعيون ودعاة التخلف، عرفنا مفهوم دولة الخدمات العامة والاقتصاد الاشتراكي القائم على تذويب الطبقات، عرفنا الاختراعات الكبرى، وبنينا من فلسفات العجم أغلب مبادئ الدولة الحديثة التي نرفل نسبيا في نعيمها، ومات فلاسفة العرب بعد أن نقلوا الشعلة خفية إلى دعاة التنوير العجم!

فأعظم الفلاسفة والعلماء اللذين يفاخر بهم البعض، قد كفروا وقتل بعضهم وسفهوا ولعنوا وتم هجائهم على نطاق واسع بشعارات الشعر العربي القبلية.

حتى لو بكينا على الأندلس، فلنبكي على العقل الذي تم اغتياله قبل أن ينضج، وليس على خسارة الأندلس، ماذا نريد بالأندلس، ألا يكفينا هذا الخراب الكبير والذي يعوزه الأفكار والبناء والعمل، ألا تكفينا هذه المساحات العربية الشاسعة المليئة بالثروات الطبيعية الغير مستغلة، والتي سيطر عليها الفساد الإداري.

مرحلة الأندلس ماتت، انتهت، لن تعود، وكل من يبكي على الأندلس فإما أنه مصاب بمرض نفسي أو هو أصيب بعدوى المرض القائم على التغني بالماضي، وهي حالة نفسية تقوم على استلهام نموذج ماضوي يفترض فيه الكمال المطلق، لتعويض حالة الشعور بالنقص من الحاضر السيئ!

تأخذ هذه الحالة النفسية أبعادا أسوأ، عندما يتحول الإنسان الميت إلى نموذج كامل مطلق لا يأتيه النقص ولا يحتمل النقد، إنها مرض حقيقي، وطفولة عقلية يجيب أن نستيقظ منها، بعلاج الرواسب الثقافية التي أصابت حتى الكثير من المثقفين العرب.

ولا ترتاعوا من النقد الفكري فإنه خير!

 

 



إقرأ أيضاً:


شارك:
  • Twitter
  • Facebook
  • del.icio.us
  • Google Bookmarks
  • Digg
  • Print
  • email

عدد التعليقات: 10

  1. هيثم
    9 يناير 2012

    أكبر تناقض نعايشه يوميا خصوصا مع الثورات العربية
    هو أن تجد أحد من يسمون بالحقوقين يطالب بالديموقراطية والحريات العامة لكنه في نفس الوقت يمجد التاريخ الاستبدادي ولم يخطر في باله ولو للحظة أن تلك القرون التي مرت على أمتنا ومانحسبه مجداً هو في الواقع ليس الا ظلما وقهرا واغتصاب للسلطة وسلب لإرادة الأمة
    والواقع أنه لولا انتشار الثقافة الغربية لما عرفت شعوب الأرض تداول السلطة ولاحقوق الانسان والقارئ بموضوعية والمتأمل بعناية للتاريخ الانساني ينصدم بهذه الحقيقة الواضحة وضوح الشمس فتنهار كل النرجسيات التي كانت تعشعش في رأسه طوال سنين عمره الضائعة

    • 10 يناير 2012

      احترامي لعقلك.

      فعلا، تداول السلطة وحقوق الإنسان هي مفاهيم غربية، بل كل تراث العلم الإنساني بشكل عام والذي يدرس حتى في الجامعات العربية ليس إلا من إنتاج تلك الحضارة العظيمة التي أعلت من شأن العقل ومن كرامة الإنسان، وحتى الأعمال التي قدمها الشرقيون، وحتى الأعمال الشرقية لهذه المفاهيم ليست إلا بذور أو مشاركات، غير أن الإطار العام للفكر الإنساني هو انتاج غربي بامتياز، ولا أحد يمكنه إنكار ذلك منهجيا.

      خالص التقدير :)

  2. هيثم
    11 يناير 2012

    حتى التقدم المزعوم للأندلسين على مستوى الفنون
    هو لاشيء مقارنة بمقاييس ذلك الوقت باستثناء الشعر الذي هو في النهاية فن البداوة لا فن المدنية
    ولم يعرفوا المسرح , مع ان اليونان والرومان أنشأوه قبل الميلاد
    والموشحات في غالبها فارغة المضمون وهدفها غالبا تسلية الحكام والملوك, لكن لا أنسى أن أسجل اعجابي بما قدمه ابن الطفيل في حي بن يقظان مع اني لم أكمل قرائتها ولا أظن أني سأفعل
    http://www.youtube.com/watch?v=4MczhsP-AGo

    • 11 يناير 2012

      للأسف حتى لو نظرنا لتطور الموسيقى، كحالة زرياب، فقد كان الهدف هو إسعاد الخليفة في ليالي الأنس التي كانت الجواري زينتهن بالرقص والغناء، لم تأخذ الموسيقى شكلا من التقدم لإطراب الشعب، بل الخليفة وحده.

      فالموسيقى أو الطرب أو الفنون المسرحية يغلب عليها طابع التحريم، ولكن الخليفة الذي يحكم بالتفويض الإلهي يعتبر حالة استثنائية غير قابلية للنقد، وهذا في اغلب الأحيان.

      وحتى تطور الموسيقى نفسه فقد كان انعكاسا للفحولة الشعرية الفارغة.

      إن المشروع الشعري في التاريخ العربي كله لا يساوي شيئا إلا في ما شذ منه، بل نقل معه كل الرذائل الاجتماعية السائدة كالمديح والفحولة والهجاء.

      الشعراء كلهم لا يضاهون الفلاسفة والمفكرين، ولا يبلغون حكمتهم ولا يجب أن يكون لهم شأن أعلى منهم، وعكس هذا حدث في الثقافة العربية.

      بالنسبة لرواية حي بن يقظان، فقد قرأتها يا هيثم، أحزنني كيف أن الرجل حاول أن يناقش الكثير من الأشياء ولكن بخوف من التصريح، شاهدت كيف أن العرب كانوا يخافون من نقاش الوجود في ظل التوحش التكفيري الذي لازال سيد الموقف.

      بالنسبة لقراءتها فتأكد أن التشويق ستجده في الربع الأول، ولكن بقية الرواية ليست إلا نص علمي جاف، ولن تطلع على نظريات جديدة في النص، ولكنك ستطلع على تاريخ تطور العلم.

      احترامي وتقديري.

    • 11 يناير 2012

      بعد إذنك، سوف أضع الفيديو الجميل الذي ارسلته بداخل التدوينة، اشكرك.

  3. 29 يناير 2012

    “وكل الأعمال الفلسفية والعلمية التي أتت من هناك، كانت خفية، كانت نشاز، كانت خارج النسق العام.”

    ألا ترى بأن هذا نسف لمنجزات العلماء في الأندلس؟
    حتى لو كانت الحضارة الإسلامية ناقصة و معيبة تظل حضارة حقيقية سادت في زمن ما و من حقنا أن ننتسب إلى ماضينا الحضاري، دون تعصب و مبالغة طبعًا :)

    بالنسبة إلى إحياء ذكرى الأندلس، فحتى لو كنّا نرى أن هذا فعل غير مجدي .. ليس من حقنا أن نحجر حرية الآخر في فعل ما يراه هو مجدي أو أن نسخر منه

    • 29 يناير 2012

      أرجو ذلك يا حنان، ولكن هذه الحقيقة، لا يعرفها إلا القليل، وليس ذكاء أو حتى علما، ولكن حقائق من هذا النوع تتطلب نوعا من مواجهة الواقع المحبط والصادم.

      بكل بساطة، لو نظرنا إلى تاريخ تطور الفلسفة، فأثر الفلاسفة العرب كان ضعيفا جدا، ولم تكن هناك مؤامرة غربية كما يتوهم البعض، بالعكس، حتى ابن رشد تم رسمه في لوحة رافيلي التي علقت في إحدى الكنائس.

      والعرب كذلك كانوا متسامحين نسبيا، رغم الصراع الحضاري، ولكن ما أعنيه بالنشاز، أن الفلسفة والفلاسفة، وكذلك العلم والعلماء لم يكونوا ذوي شعبية طاغية على العامة.

      مجرد امثلة سريعة، ابن رشد تم تكفيره وأحرقت كتبه ومات منهجه البرهاني، أما ابن طفيل فلا يعرف له إلا كتاب حي بن يقظان، ابن سينا تعرض لكل أنواع التكفير والإقصاء، واختفى أثره إلا في الغرب.

      تقريبا كل العلماء الحقيقيين باستثناء أمثال ابن تيمية، اختفى تأثيرهم على المجتمع، ولم يبقى إلا ابن تيمية وابن حنبل وأشباههم، بتأثيرهم الطاغي.

      ولم نرى خيرا بعدها.

      والتوضيح الأهم، هذا ليس إنكارا لجهود العرب والفرس والسريان في الحضارة العربية، ولكنها لم تكن في نسيج وعي تلك الحضارة، كانت محاولات جميلة وعابرة، ولم تتطور إلى مشاريع كبرى ، كالديمقراطية والاختراعات الكبرى والعمران الهندسي.

      لا يمكن إنكار ذلك.

      احترامي وتقديري لشخصك.

  4. 16 فبراير 2012

    This post has helped me think tighns through

    • 17 فبراير 2012

      عزيزي Seston

      هدفي من المقال هو التخلص من الخرافة الفكرية، والنظر إلى الأمام، فهناك فرق استراتيجي كبير بين عقل نمطي يقاوم التغير، وبين عقل حيوي يسير وفق قوانين التغير.

      لك مني فائق التحية والتقدير.