المنهج الأولي

المنهج الأولي
 

((لنتخيل معرفة كلية، يتحقق بها العدل الإنساني الجديد))

 

 

 

مقدمة المنهج الأولي

 

 لم يكن سؤالي هو : لماذا نحن متخلفون؟

 

صيغة السؤال عبر مفاهيم الرياضيات، تفتقد المحور الأساسي الثاني (ص) والمتقاطع مع محور (س) والذي يؤسس للدوال الخطية، أو كما أعتبرها أرسطو (384-322ق.م) في تأسيس علم المنطق مقدمة كبرى تفتقد المقدمة الصغرى، وكل قضية تتكون من مفهومين.

 

إذا قلنا لماذا نحن متخلفون؟ فهي مقدمة لأجوبة خلافية ناقصة، من قبيل الفتنة الكبرى بين الصحابة، أو من قبيل محاربة الفلاسفة، أو من قبيل الحتمية التاريخية النفسية والطبيعية. أو من قبيل إرهاق العالم الإسلامي بالحروب الخارجية مع الحملات الصليبية والمغول بعد العداوات الداخلية، أو من قبيل محاربة العلماء عبر حبس أحمد بن حنبل وتعذيبه ومحاربة العلم، أو من قبيل عداء الغرب الحديث، أو من قبيل حكم البدو العجم الجند للعالم الإسلامي كالترك والمماليك مما أوقف امتداد الإنتاج الثقافي العلمي والمعرفي.

 

إنني أرى قرنا كاملا من الإنتاج الفكري العربي حاول فيه الكثير من المصلحين تقديم نظريات مختلفة لأسباب التخلف، فهي في البعد عن الدين بمنظور محمد عبده (1849-1905م)، وهي في الصراع السياسي بمنظور جمال الدين الأفغاني (1838-1897م) وعبد الرحمن الكواكبي (1854-1902م). أما مالك بن نبي (1905-1973م) فقد راجع هذه الأفكار مؤكدا على مشكلة عدم وجود المنهجية.

 

حركة الأخوان المسلمين أدت دورا عظيما في إحياء الروح الإسلامية، وقدم منهم سيد قطب (1906-1966م) مفهوم (الحاكمية) أي التمحور حول حكم الله، وأعلن في كتابه (معالم على الطريق) المنهج الحركي المقارن بمنهج الصحابة الحركي مع الرسول عليه الصلاة والسلام في تثبيت أركان الدعوة، وهذا المنهج الحركي أدي عند تطبيقه للعنف ثم للعنف المضاد، وانقلب السحر على الساحر، فانتهى بذلك دور الأخوان التاريخي.

 

وهنا أيضا مشكلة في المنهجية الفكرية لتغيير الواقع ولإنجاح فكرة تطبيق الحاكمية، حيث نجحت الفكرة في حدودها على الوعي الاجتماعي وفشلت تماما في الحكم السياسي.

 

إذ حسنا وماذا بعد عن أسباب التخلف؟

 

إنني أبني منهجي على المزيد من التساؤلات على ذلك التراكم فقد قدم على سبيل المثال محمد عابد الجابري (1936-؟م) مشروعه الجديد في قراءة التراث فلم نعد بعدئذ نقرأ التراث كما من قبل، وقدم عبد الوهاب المسيري (1938-2008م) مشروعه في قراءة الفكر الغربي واليهودي والصهيوني والعلمانية ولم نعد بحاجة للمزيد من الكتابات عن مفهوم العلمانية بنفس التصور النقدي، وقدم الكواكبي مشكلة الإستبداد السياسي، ولم نعد بحاجة للمزيد من دراسة إشكالات الاستبداد السياسي بنفس المنظور التعليلي، وقدم رواد حركة الأخوان المسلمين فكرا إسلاميا عالميا تصدى للإلحاد الفلسفي الغربي ولم نعد بحاجة للمزيد من نقد الأفكار والفلسفات الغربية بنفس المنظور الدفاعي. وقدم “محمد عبده” فكرا تجديديا في الفقه الإسلامي، ولم نعد بحاجة لنفس منهجية التجديد.

 

بل ما زلنا بحاجة إلى تصورات فقهية جديدة، وما زلنا بحاجة لتصورات سياسية جديدة، وما زلنا بحاجة إلى تصورات عالمية جديدة وشاملة.

 

إنما كيف؟

 

الجواب المنهجي هو عبر البناء على ذلك التراكم الذي يجيب على تساؤل لماذا نحن متخلفون؟

 

أي عبر مناهج فكرية حية..

 

إذا صنعنا أفكارا سابقة لعصرها فمآلها إما الموت الأبدي، أو أن يستفيد منها جيل مستقبلي، حتى لو كان من ثقافة أخرى. فجمال حمدان (1928-1993م) المفكر الجغرافي العربي الحديث، سبق العالم العربي بتصوراته الإستراتجية ولم يؤثر فعلا في الثقافة العربية، وربما لم يهتم بأن يؤثر عمليا بأفكاره. أما عبد الرحمن أبن خلدون (1332 –1406م) فقد استفاد الغرب من تأسيسه لعلم الاجتماع في القرن الثامن الهجري أكثر مما استفاد المسلمون، وأكثر من تأثيره كانت تصورات أبن رشد الفلسفية وإحياءه الأبرز للأرسطية و تعديلها.

 

 

تتصف الرياضيات بالموضوعية التي لا يختلف عليها اثنان حتى نصل إلى معادلات أكثر تعقيدا لا زالت مفتوحة وبلا إجابة، وذلك هو نفس نظام المنهجي الأولي أو الكلي الذي يقدم أسئلة موضوعية تفتح الباب للإبداع الفكري حتى توصل إلى الأسئلة الكبرى والأكثر تعقيدا، وهي نفس الأسئلة التي لا يقبلها الفكر البدائي/البدوي، حيث يتقبل فقط  تجانس الأشياء وبساطتها وبالتالي حتمية تجانس الأجوبة المدنية والكونية معها، وهذه مشكلة كبرى في الثقافة العربية الحديثة، في الخليج العربي والعراق والمغرب العربي ومناطق عربية أخرى.

 

لنعد إلى المحور الأساسي (س) وهو سؤال (لماذا نحن متخلفون) لنستبين إلى قصور في بنية السؤال؛ يكتمل بحروف الأسئلة وهي (ما هو تخلفنا؟ لماذا تخلفنا؟ كيف تخلفنا؟ متى تخلفنا؟ من عمل على تخلفنا؟ أين تخلفنا؟ متى تخلفنا؟).

 

بهذه الأسئلة عن العلة والماهية والطريقة والمكان والزمان والمصدر يكتمل السؤال وذلك ما ينقلنا للمحور الثاني الأساسي من المعادلة (س،ص) :

 

وهو (ما هي النهضة؟ ولماذا ننهض؟ وكيف ننهض؟ من ينهض بنا؟ أين ننهض؟ متى ننهض؟).

 

هذا هو المحور الذي يبني السؤال بناءا منهجيا يؤدي إلى نتائج موضوعية تطبيقية تحوي في عمقها القابلية على التنفيذ العملي والواقعي.

 

يقول فيلسوف الفيزياء ألبرت آينشتاين (1879-1955م) :  ((لو كنت أملك ساعة لأجيب على مسألة يتحدد معها مصيري في الحياة، لاستغرقت خمسة وخمسين دقيقة لإيجاد السؤال المناسب، ولأخذ مني الوقت خمسة دقائق لإيجاد الإجابة على ذلك السؤال)).

 

لنعد أيضا للمحور السابق (لماذا نحن متخلفون)، ولنفترض إجابة نمطية وهي الفساد السياسي والقضائي، حسنا وماذا بعد! هل نطالب بمحاكمة القضاة والساسة؟ إننا لا نصل لهذه المرحلة بسهولة، وقد تؤدي إلى تصادمات شخصية مباشرة وسابقة لأوانها لا تنفع الناس إذا لم تشع الأفكار أولا في عقولهم وتبدأ لتستقر في قلوبهم.

 

 

لقد مثل كتاب (روح القوانين) لشارل مونتسكيو (1689-1755م) أهم المصادر الملهمة لأنظمة الدول الغربية عبر إنتاجه لمجموعة من النظريات في حكم الدولة كان أهمها فكرة فصل السلطات الثلاثة المعروفة (التشريعية والتنفيذية والقضائية). وقد أستلهم فكرة الفصل من دراسته لأنظمة الحكم الديمقراطية اليونانية القديمة. لذلك كان هذا النوع من الإنتاج مبنيا في الأساس من عمق الثقافة الغربية فعلا وانفعالا، ليصبح الكتاب أحد أهم المقدمات الفكرية لأنظمة الحرية الغربية، وبذلك أستطاع أن يصنع أفكارا حية ومبدعة من أفكار ميتة قديمة. لم يأتي ليقول نريد حكم المدينة الفاضلة. إذ يريد فقهاء الإسلام المعاصرون إحياء الدولة الإسلامية القديمة بنفس شكلها القديم، وهي قد انتهت بتلك الصورة إلى أبد الآبدين، ولم يدرس أحد حتى اليوم دراسة مؤثرة، مشكلة معاوية بن أبي سفيان (661-680م) لتوريثه الحكم لابنه يزيد (680-683م) مما كان البداية الأولى للاستبداد السياسي العربي والقضاء على فكرة الشورى التي بدأها الصحابة الكرام في سقيفة بني ساعدة.

 

فأين من ينتج نظام حكم إسلامي عادل، متدرج في تحميله لحيز الفعل؟

 

فإن كانت الحكومات العربية ضعيفة وفاسدة في عمق بنيتها الإدارية، فليس هناك بديل راهن، ولا حل سوى المساهمة معها في بناء المجتمع، فعندما انقلب الضباط الأحرار على حكم الملكية المصرية لم يظهر في المجتمع العربي المصري سوى المرض الذي كان جاثما في القلب، ويندرج الحال على كافة الأنظمة والحكومات الثورية العربية كالحكومة البعثية، إذا ليس هناك بديل بشري لما هو قائم، ولكن هناك بديل يكمن في الأفكار الجديدة والمتدرجة.

 

تطور الغرب بإرادة مجد العلم والثراء والقوة، ونحن قادرون بالمساهمة مع الحكومات العربية على النهضة ودون الاصطدام المباشر مع المفسدين في الأرض، نستطيع أن نخطط بإحكام لتطوير الأفكار أولا ثم ليبدأ كل شيء في التطور، فالأفكار هي القاعدة الأساسية وليست السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية.

 

الرؤية التي بلورتها بعبارة (العلم، الثروة، القوة) هي أحد نتائج تساؤل (كيف ننهض؟).

 

وكل عبارة من الرؤية لها مترادفات تؤدي للغرض المبتغى، أجملت باللفظ الأعم، فكلمة العلم تترادف معها علوم الإسلام والفلسفة والطبيعة والأدب، أما الثروة فيترادف معها الثروة المالية والطبيعية والمعرفية، أما القوة فيترادف معها القوة الفكرية والجسدية والعسكرية. وهذه الرؤية تمثل الغاية القصوى لإثبات الذات الفردية والأممية.

 

ولكل شطر من الرؤيا عمق لا نهائي، فالعلم يشمل معه القراءة العقلانية الموضوعية للتاريخ الإسلامي واكتشاف حقائق جديدة تخالف الفكر السائد. أما الثروة فتشمل نوعا جديدا من الفكر الاقتصادي الإسلامي لا يحقق به الرفاه وحده، بل يبنى به المجتمع لأجيال لاحقة. أما القوة فهي البناء الفكري والجسدي للتفوق الفردي الذاتي والجماعي العسكري، وهو بناء لا يبتغي إعلان الحرب بل الدعوة لامتلاك القوة على المدى البعيد، حتى يعلن جيل قادم تلك الحرب لمجد الإسلام والمسلمين.

 

هذه الأفكار أحد تجليات السؤال الجوهري : كيف ننهض؟

 

وهو سؤال مرن يفتح الباب للإبداع الأكبر وتحت محورية المصادر الثقافية. والمرونة هي أحد أهم شروط بناء المنهج إذ يجب أن يصاغ أي منهج عبر قالب فكري نقدي قابل للتطور كي يكون قابلا للحياة، كي يكون صالحا للبقاء. فأي منهج صارم يؤسس لأجوبة ثابتة قد يؤدي بنا إلى لأجوبة سلفية نقلية لا عقلانية، والمستلهمة من أفكار نشأت تحت صراعات سياسية وفكرية وعرقية وحتى ذاتية في زمن منتهي. ومنها القواعد الفقهية التي صاغها الإمام الشافعي (150-204هـ) رحمه الله (القرآن، السنة، الإجماع ، القياس) وقد رفض مجموعة من العلماء ومنهم أبن حزم (384-456هـ) وداود علي الظاهري (200-270 هـ) قانون القياس على سبيل المثال مما يؤدي لفتح باب الاجتهاد على مصراعيه فيما يعرف بالمذهب الظاهري أو المذهب السني الخامس، وقد كانت نوع من الأفكار التقدمية في الثقافة الإسلامية. وتلك القواعد الأربع تقارن بقواعد المنهج التي أسسها رينيه ديكارت (1596-1650م) في المنهج الفلسفي حول منهج التساؤل في الفكر الغربي. غير أن تساؤلات ديكارت تميزت رغم أقنعتها المسيحية بدفع العقل للتساؤل الفلسفي، فأصبح ديكارت هو أبو الفلسفة الحديثة، كما يعتبر الشافعي هو أبو الفقه السلفي المعاصر. ولكن قواعد الإمام الشافعي كأنموذج قد بلورت مفهوم الشريعة حتى أتمه السلف الصالح مع نهاية القرن الثامن الهجري التقريبي لتؤدي وظيفتها التاريخية، حتى أغلقت قراءة هذه القواعد، من بعد ذلك التاريخ؛ قدرة التفكير على إعادة وعي الفقه الإسلامي بأفكار حية تنبت من بذور الأفكار الميتة في تلك القرون. وليست هي الدعوة للانقلاب على التاريخ الثقافي كما يحث التوهم النفسي، بل دعوة لإحياء قدرتها على البقاء الموضوعي في النسق الفكري العام. النهضة العلمية مرهونة بتطور إجمالي الثقافة الإسلامية، وليس مرهونا بمشكلة الفتوى الدينية وحدها. وتطور الثقافة الإسلامية لا يعني إعادة نقل الأفكار الميتة، بل زراعة أفكار جديدة من تلك البذور، وذلك ما يؤدي غرضه تساؤل : كيف؟

 

ما يلي مبادئ المنهج الأولي للتساؤل الأكبر.. ولنتخيل معها معرفة كلية جديدة يتحقق بها العدل الإنساني…

 

 

(تنقل قريبا بإذنه تعالى ..)